• الاثنين 04 شوال 1439هـ - 18 يونيو 2018م

يرحل على ظهور الأساطير.. ويسير حافياً على بلاط العدم

صلاح حيثاني.. شعر يجرح الغيبوبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 فبراير 2013

شـهـيـرة أحمـد

تمارس قصائد المجموعتين الشعريتين الصادرتين حديثاً للشاعر والفنان التشكيلي العراقي المقيم في هولندا صلاح حيثاني، والموسومتان بـ «مثلما تسقط ثمرة في نسيانها» و»ماء غيابكِ»، فضلاً عن قصيدته الطويلة «النظر إلى الأبدية من الأرض الحرام» حفراً آركيولوجياً لغوياً متعدد المستويات، إن لجهة التعبير اللغوي نفسه أو لجهة المضامين أو لجهة الصورة الفنية التي تتخايل في المنتج الحيثاني مثل عرائس ليل موشحات بغلالة شفيفة، لا تبوح بكل ما فيها وتدخر الكثير للعارفين القادرين على أن يجوسوا في غابات الشعر بأرواحهم وقلوبهم.

كل الأشكال والإشكاليات البشرية والإشكالات الفلسفية، والتيه البشري، والعدم، الموت جداً و الحياة جداً (والعكس صحيح أيضاً) متوفرة في قصائد الشاعر.

في محاولة العبور إلى النص الحيثاني تتعدد المعابر، لكن القصيدة لا تترك لك الفرصة لتحار طويلاً في كيف تدخل إليها.. إنها تمارس مكراً شعرياً رائعاً إلى الحد الذي تقوم فيه بتعطيل حسك النقدي لبعض الوقت، إلى أن تتذوق من دهشة الشعر ما يطيب لك، ثم تترك لك حرية التنقل في مباهجها على أكثر من حرف. ومع أول قطرة عطر في «ماء غيابك» تشتعل حواسك كلها لترتشف جماليات الشعر.. هذا الحافي المبجل الذي تخشع أمامه العبارة... فتترك النقد جانباً لتقرأ تلك القراءة الممتعة، تماماً كما تتنفس هواء منعشاً، نقياً، في صباح خريفي مشمس.. ثم، تعود مرة ثانية وثالثة لتلملم الأوراق التي تناثرت في أرض الغابة الشعرية بحثاً عن مفاتيحك النقدية التي نسيتها على طرقات القصيدة، ويكتب نصاً يليق بالشعر.

لغة لا تعرف نفسها

هنا اللغة ترتدي نفسها بكل ما أوتيت من قوة، تعض على غيابها بأسنان شعرية حادة. ببساطة شديدة العمق، يعقد صلاح حيثاني قران الحديقة على الغيم.. يأخذ الشعر إلى حقوله الفسيحة ليعلمه الطيران.. بقلب عصفور يرتب لك كمائنه الشعرية يضعك على أول حبائل المعنى ثم يترك لك أن تلفَّ ما شئت منها على عنقك. شعره جارح. يحفر عميقاً في الداخل كما لو أنه آركيولوجي يبحث عن فخارة نائمة ليوقظها من غبار العصور. بهدوء وتؤدة، يتوغل في الأعماق السحيقة ليس للإنسان فقط بل للكلمات أيضاً.. فالكلمات في نصوصه لا تشبه نفسها، ولا تكرر غيابها، إنما تجترحه طازجاً، جديداً، في كل مرة.. وهي أيضاً منبتَّة عن أمها اللغة في مألوفيتها وثباتها وسكونها، كأن صلاح حيثاني وهو يبحث عن طريدته الشعرية يبحث في الوقت نفسه عن حركة الحياة فيها.. عن شعرية ما، تدله على العدم، الذي يسير حافياً على بلاط النص/ الوجود.. لهذا، يمددها على طاولته، بعيداً عن العيون ويعكف على تقشيرها وتوضيبها وإلباسها ثياباً على قياس جمالي خارج على التصميمات اللغوية المكررة أو الاستعارات السائدة. وإذ يفعل تخرج الخبء الذي في أرضها وتهديه شعراً زاخراً بالاصطيادات الجمالية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا