• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

مأزق هو الأخطر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 مارس 2017

ظلت الصحافة الورقية عقوداً عدة جزءاً من تكوين وجدان أجيال على مر الحقب التاريخية، وما زالت علاقة هذه الأجيال بالصحيفة اليومية مستمرة بطقوسها، ولكن اليوم بحكم تعاقب الأجيال ودورة الحياة المتواصلة والمتطورة دائماً إلى الأمام نجد أن جيل اليوم لا علاقة له بالصحيفة اليومية، بل يمكن القول إن البعض منه لم يتلمس ورق صحيفة فما بالك بقراءتها، وليس ذلك بسبب رأي في الصحف الورقية أو مضمونها، وإنما بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية التي استهوته وأصبحت تشكل وجدانه، بل حياته، مع العلم أن أجيال اليوم هي التي ستحدد مصير الصحافة الورقية، وإذا لم يتم جذبها إليها من خلال خطط واضحة تجعل الصحيفة محببة إلى أنفسهم، ويجدون فيها ما يشبعهم روحياً ومادياً، فإن الفضائيات والنت سيظلان مفضلين عند شباب اليوم.

ولكن يظل السؤال هو السؤال، هل تعيش الصحافة الورقية مأزقاً سيودي بها إلى الزوال أم أن الخوف على زوالها غير مبرر، خاصة أنها مرت بتجارب سابقة استطاعت فيها الصمود، فعلى الرغم من ظهور الراديو الترانزستور، والتلفزيون الأبيض والأسود، ولاحقاً الملون، والأجهزة الحديثة ظلت الصحيفة الورقية تحتل مكانة مرموقة في وجدان القراء، والآن كأنما التاريخ يعيد نفسه ويضع الصحف في مأزق هو الأخطر، لأن النت والفضائيات لم يؤثرا في الصحف فقط إنما قلبا حياة البشر رأساً على عقب، وعلى مستوى الصحف سحبا عدداً مقدراً من قرائها، والأخطر رويداً رويداً بدآ يجذبان الإعلانات إليهما، وهي شريان الصحافة ومصدر تمويلها، خاصة الصحف الخاصة، والتأثير العميق للفضائيات والنت واضح في حياة الناس، والآن وأنت في الشارع أو المقهى أو المواصلات أو البيت تجد الجميع منشغلاً بالنت من خلال لابتوب أو آي باد أو هاتف محمول، وقلّما تجد أحدهم ممسكاً بصحيفة.

ولكن وعلى الرغم من كل ذلك، خاصة في منطقتنا العربية والأفريقية ما زالت الصحف تحتفظ بألقها وتوهجها وأن سوق الإعلانات ما زال يعمل، على الرغم من تدني توزيع الصحف، ولعل سبب ذلك محدودية النت، وإحساس المواطنين بأن النت يسعى إلى تدمير هويتهم الوطنية، وعدم اهتمامه بقضاياهم المحلية واليومية.

يجب عدم الركون إلى أن الصحافة الورقية بخير، بل بالعكس إنها تواجه خطراً جاثماً متربصاً، ووحشاً كاسحاً، يمكن إذا تمكن منها ألا نشاهدها إلا وهي في المتاحف تروي قصتها بحسرة وتبكي على أيامها الخوالي.

تطور الصحف في الشكل والمضمون تطوراً موازياً لهذه الثورة المعلوماتية هو ما يبقيها حية، مما يتطلب إيجاد مساحات للابتكار والإبداع لإضافة مضامين جديدة للصحافة الورقية، لإعلاء شأن ما يجذب القارئ ويحافظ في الوقت نفسه على شرف المهنة.

اكتساح النت والفضائيات للقرى والبوادي والمدن يستدعي منا جميعاً التركيز على نقاط الضعف التي لا تستطيع الولوج إليها، فمثلاً خير ما يجذب الجمهور هو قضاياهم المحلية، وما يموج داخل المجتمعات، ويمكن في هذا الجانب أن تلعب الصحافة الورقية دوراً مهماً، لا يتوقف فقط عند الخبر إنما يمكن أن يكون الخبر حصرياً، وبعد ذلك استخدامه والتوسع فيه وكشف أعماقه وملابساته.

تحتاج صحافتنا لكي تزدهر أن تتحول إلى صحافة استقصائية تركز على التعليم والجرائم والفساد، والتهافت على المال والرشاوي والتجاوزات والقصور لمساعدة أصحاب القرار وتنوير المجتمع، مما يساعد على وضع ركائز لتماسك المجتمع من خلال ترسيخ العدالة الاجتماعية والمساءلة بفضح أي ممارسة غير مكشوفة عن قصد للرأي العام، وفي منطقتنا يوجد الكثير من المعلومات التي تحتاج إلى تقصي الحقائق حولها، والولوج إلى عمقها، بشرط أن تكون الشفافية منطلقاً لها، قضايا التعليم والصحة والبيئة وحماية المستهلك، هي ملعب أساسي لأي صحيفة تُنشط من خلاله التحقيق والاستطلاع والتحليل، كي تكون قريبة من وجدان القارئ، أما الخبر فقد أصبح يصاغ كفعل ماضٍ بفضل الفضائيات والنت، ويمكن أن يكون للحال أو الاستقبال فقط حين يبذل الصحفي جهداً ليصير سبقاً صحفياً.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا