• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

خورفكان.. أيَرَوْنَها حقاً؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 31 مارس 2016

آمنة باروت

لكن ما المغزى من وجودي هنا؟ من همسات الهلوسات التي كانت ولا زالت تتغير في استمرار. لن أنكر أنِّي فكرت بهذا النص قبل خروجي من المدينة بفترة طويلة، تخيلتُ نفسي في هيئة أخرى غير التي عهدتها من صغري، غير التي خلقتها لنفسي، تقمصتُ حقاً دور المسافر دون رجعة، وضبتُ حقائبي على عجل، وضعتُ كل ما خطر في بالي، وكتبت الباقي على ورقة صفراء مرمية عند زاوية السرير المتهالك حنيناً حتى قبل الفراق. لا زالت نظرات والدتي تحدق بي، وأسئلتها تسارعني للإجهاز عليّْ وكأنها تتفرس اللحظة وتوقن أنه ضرب من السنين، أو من الضعف الذي شلَّ قلوبنا حينها.

عجيب أمرنا، ما الداعي للتفكير بالكتابة طالما نحن نعلم بشقاء عملنا هذا، بقدرة الحرف على استدراج مشاعرنا نحو الهاوية السحيقة التي تقتادنا على مر السنين بالتهاون والتخاذل، وفي اللحظات ذاتها يستحيل كثير من الأشياء التي كانت حقيقة، إلى سراب يقترب منك فتهرب منه مسرعاً، يتقدم نحوك فيصطدم بخوفك وهواجسك.

نعم، أعترف أني الآن في منزل جميل جداً على طرف المدينة الجديدة، حيث كل شيء بات مختلفاً، وتيرة الحياة المتسارعة، الشوارع التي لا تختلي بنفسها أبداً، المباني التي تتعارف بمحض المصادفة بعد كل ثانية، الحياة التي تعلو، وتعلو، فلا تستطيع أن تخفض رأسك أو تلتفت حولك. كل شيء هنا مختلف.. وجوه الناس، ملامحهم، تصرفاتهم، أفكارهم، حتى نظراتهم التي تخترق بساطة جهلك.

وسألتُ النفس بلحظة صلاة عن قدرتنا على التعايش بأكثر من حياة، فمنذ أسبوع مثلاً كنت أقول هذا الحديث لصديقة، وأننا مصنوعون من فولاذ، فكيف باستطاعتنا أن نُحَوِّلَ هذه الحياة البسيطة إلى حيوات تتوالد وتتكاثر باستمرار، كأن أعيش طوال أيام الأسبوع في هذه المدينة المختلفة عني، وبشهقةٍ أجد نفسي في حياتي الأخرى منغمسة بزرقة مدينتي التي تنعكس حتماً على تصرفاتي، وحياة أخرى تجبرنا على التقمص لنكون غير ما نحن عليه أمام الآخر، وحياة تدفع بنا نحو العمل الجاد لجني ثمار ما نفعل فنرتقي لنكون ضمن الأفضل، ونصل لمراتب ترضي غرورنا على حساب ترهل داخلنا المسكين!!

كنت موقنة بأنَّ كل هذه الأفكار المعطوبة لن تجدي نفعاً سوى تجريحي واستثارة جروحي الأخرى، لم كل هذا الحزن، والوجع والسخط، لمَ هذه النظرة الساهبة نحو إطار الصورة الفارغ، لمَ يكبر عمرنا دون شعور، فنفتقد شقاوة الطفولة وحلاوتها، ولمَ تتكرر صورتي الطفلة أمام عيني باستمرار، وأتعمد النظر إليها مطولاً لأرى الغريبة الواقفة هنا الآن.. (لِمَ) كثيرة تبحث، وتحفر، وتؤجج، وتعانق لتنخذل في نهاية المطاف. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف