• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

بسبب آرائه حول الثقافة الفرنسية وحضورها العالمي

اريك زمور يشعلفرنسا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 يناير 2015

هاشم صالح

على عكس ما أشيع فإن المؤلف لم يهاجم العرب فقط وانما هاجم اليهود أيضاً. وهذا شيء مدهش جداً اذا ما علمنا أنه هو ذاته من أصول يهودية بل وعربية جزائرية لأن عائلته من شمال أفريقيا. من هنا اسمه: زمور. وهذا ما أدهشني في الكتاب كل الدهشة لأنه نادراً ما أن يهاجم مثقف يهودي ذلك اللوبي الصهيوني الضخم الذي يصول ويجول كما يشاء ويشتهي؛ حتى ميتران اشتكى منه في أواخر حياته. لقد تحول الى «دولة داخل الدولة» كما يقول زمور.

الانتحار الفرنسي

نلاحظ أن المؤلف يتحدث كقومي فرنسي محض لا كيهودي حريص على مصالح طائفته بالدرجة الأولى. من هنا اعجابه الشديد بالجنرال ديجول على مدار الكتاب. فهو يعتبر أن عهده كان ذهبياً وأن الانحطاط ابتدأ بعد وفاته مباشرة. ويرى أن الانتحار الفرنسي ناتج عن الثورة الطلابية التحررية والتحللية الإباحية الشهيرة لمايو 1968. وهي الثورة التي كادت أن تطيح بديجول ذاته. وقد دمرت كل تراثه على مدار الأربعين سنة التي تلت وفاته: أي منذ عام 1970 وحتى اليوم. فالمجتمع الفرنسي ما انفك يسير في اتجاه التحلل من كل الحدود والقيود يوماً بعد يوم وسنة بعد أخرى حتى وصل الى ما وصل اليه اليوم. لقد اختار خط السهولة والتسيب وهدم كل ما بنته الأجيال السابقة بعرق جبينها. كل القيم التي تمجد الجهد والتضحية والتفاني وعدم الاستسلام للنزوات والرغبات والانحرافات انتهت. وهذا هو معنى الانتحار الفرنسي: فرنسا تسير نحو الهاوية في رأيه بسبب الإباحية الجنسية وتفكك العائلة الفرنسية وكل هذيانات الفكر المتطرف العدمي وهيجاناته. لم تعد هناك أي قيمة ثابتة في المجتمع لكي يعتصم بها الناس في وقت الشدة. الدين انتهى كلياً ولا أحد «يقيمه من أرضه» كما يقال. كل ما يطلبونه من البابا هو إصدار فتوى تبيح لهم الشذوذ الجنسي. وبعدئذ ينتهي دوره. فلسفة الشهوة واللذة والمتعة الحسية هي وحدها القيمة التي تعلو ولا يعلى عليها. كل ما عدا ذلك لا وجود له. هذه هي الفلسفة العظيمة التي تمخضت عنها ثورة مايو 68. وبالتالي فكل شيء أصبح مباحاً ومشروعاً بما فيها التصرفات الأكثر شذوذاً وضرراً. الحرية أصبحت تعني الفوضى العارمة. كل واحد أصبح يشكل قيمة بنفسه ويمارس حياته الجنسية كما يشاء ويشتهي بلا رقيب أو حسيب. ألم تطرح ثورة مايو الشعار الشهير: ممنوع أن تمنع! وهو شعار صبياني طفولي مراهق وخطر أيضاً. نحن نعاني من كثرة المحظورات والممنوعات والتابوهات وهم يعانون من كثرة التسيب والإباحية المطلقة. تعددت الأسباب والموت واحد! حقاً لقد هيمنت الفلسفة العدمية النسبوية على المجتمع إلى درجة أن كل شيء أصبح يساوي كل شيء وما حدا أحسن من حدا. هل أنت شاذ جنسياً أم طبيعي جنسياً لا فرق.. «كيف كيف»، كما يقول إخواننا التوانسة. لم يعد هناك شيء أفضل من شيء آخر أو قيمة ما أفضل من قيمة أخرى. كل شيء وعكسه سيان. هذا هو معنى العدمية النسبوية. وكانت النتيجة أن ظهر مرض الإيدز الذي حصد المثليين -أي الشواذ- بالمئات والألوف. ومن بينهم شخصيات كبرى كالفيلسوف ميشيل فوكو وسواه. هذه هي نتيجة انتهاك القانون الانثربولوجي الأعظم للبشرية. هذه هي نتيجة الاستخفاف بالقيم الأخلاقية التي لا حضارة انسانية بدونها. علاوة على ذلك فلم تعد هناك أي هيبة للأب على أطفاله، أو للأستاذ على تلامذته. إنهم يناقشونه على قدم المساواة ويخاطبونه من موقع الند للند وأحياناً بدون أي احترام. كل هذا من نتائج ثورة مايو 68 التي أطاحت بديجول وكل القيم التي أسسها. ولهذا السبب فان اريك زمور يقول بأن فرنسا أصبحت الرجل المريض لأوروبا. فبدلا من أن يصبح الاتحاد الأوروبي «فرنسا مكبّرة» أصبح «فرنسا مصغّرة» وألمانيا مكبرة. ألمانيا هي الآن زعيمة الاتحاد الأوروبي لا فرنسا. يضاف الى ذلك تدهور المدرسة الفرنسية والثقافة الفرنسية وحتى اللغة الفرنسية! أصبحت الشخصيات الفرنسية تتحدث بالإنجليزية في الخارج. في إحدى المرات التقى جاك شيراك بكلود شيسون في أحد المحافل الأوروبية . فأخذ شيسون- وزير خارجية فرنسا آنذاك - يخاطبه بالإنجليزية! وعندئذ حملق فيه شيراك حملقة مرعبة زعزعته تماماً وأخجلته من نفسه. لقد ذهب العهد الذي كانت فيه أوروبا المثقفة تتحدث بالفرنسية. كان ذلك في القرن الثامن عشر إبان عصر التنوير، عصر فولتير وروسو ومونتسكيو والموسوعيين. والجامعات الفرنسية أصبحت في المؤخرة تقريباً بعد أن كانت في المقدمة.

هل كل ما يقوله اريك زمور هنا صحيح يا ترى؟ بالطبع لا. فالصح عنده يختلط بالكثير من المبالغات والتهويلات. ففرنسا لا تزال القوة الخامسة في العالم على الرغم من كل شيء. لا ريب في أن لغتها تراجعت كثيراً بالقياس الى الإنجليزية. ولكنها لا تزال منتشرة في بلجيكا وسويسرا واللكسمبورغ وكندا (كيبيك مونتريال) هذا ناهيك عن المغرب العربي وافريقيا السوداء ولبنان وكل البلدان المنضوية داخل إطار منظمة الفرانكوفونية. و يا ليت أن العرب يقتدون بها ويدافعون عن اللغة العربية مثلما تدافع هي عن اللغة الفرنسية.

تخرصّات

هل فرنسا على شفا حرب أهلية؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف