• الخميس 24 جمادى الآخرة 1438هـ - 23 مارس 2017م

مسوَّدات 10 قصائد لآخر أكبر شعراء إسبانيا

قصائد في نار الكتابة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مارس 2016

د. محسن الرملي

قدمت الحركة الشعرية الإسبانية للعالم أسماء خالدة، يأتي في طليعتها غارثيا لوركا وأنطونيو ماتشادو وألبرتي، ثم الشاعران الحائزان جائزة نوبل: خوان رامون خيمينيث وبيثينته ألكساندرة، كما شكلت تجربتا جيل الـ98 وجيل الـ27 أمثلة نموذجية لفهم معنى الجيل ودوره وفاعليته وأُسس تقييمه، تلك التي تختلف تماماً عما يحدث عندنا من استسهال إطلاق تسميات (أجيال) على كل الأسماء الطالعة في عقد زمني واحد، بغض النظر عن الخصائص والأهداف المشتركة التي توحدها أو التمايزات الفردية فيما بينها. وانطلاقاً من القناعة بأهمية الحركة الشعرية الإسبانية ودورها المؤثر في الميدان الشعري العالمي، تأتي ضرورة مواصلة ما يمكن من المتابعة لأهم أصواتها وتجاربها، وفي هذا السياق نقدم ترجمة لملف سبق أن نشره الملحق الثقافي لصحيفة (آ. بي. ثي) الإسبانية، الذي ضم بعضاً من آخر قصائد أبرز الشعراء في إسبانيا.

ترجمة - د. محسن الرملي

رفائيل ألبرتي ( 1902-1999)

كتب في أيامه الأخيرة هذه الأبيات التي دونها في لحظة خلق خاص. نستخرجها اليوم من دفتره الشخصي، حتى قبل أن ينقحها بشكلها النهائي، وقد كُتبت وفق طريقة ألبرتي المعروفة، والتي يطلق عليها البعض تسمية أو صِفة «المطبوخة»:

لغز

وذبذباته تداهمني

بإشارات

في الدروب المعتمة،

تستولي عليّ ثم ترافقني

وتحدثني عن.. تلك التي لا أعرفها

.. تلك التي لمعرفتها ذاهب أنا

والتي ربما ستبلبلني..

وتملؤني حلماً بواقع مختلف

.. واقع لا وجود له إلا منها.

ومن وجوده تعجب.

* * *

كلاوديو رودريغيث ( 1934-1999)

يقول الشاعر كلاوديو رودريغيث: «كنت أحاول أن أكتب قصيدة قريبة إلى الشيخوخة، وهذه بعض أبياتها التي لم تكتمل بعد... أبيات مبهمة، مركبة منذ شهرين تقريباً، وإنني أعمل عليها وفق سير تدريجي بطيء من التقطير الشعري»:

ومن ذا الذي يقول: إنها الآن قد أصبحت واضحة؟

الحياة.. تلك التي في أوج وضوحها..

لا يمكن قول ذلك عنها، أو حتى على الأقل..

رؤيتها

وسط النور، وسط الريح.

عندما ترتعش الأيدي.. قليلاً.. قليلاً.

مع هشاشة العزلة.

مع إيقاعها.. عندئذٍ

ومع تلاشيها.. خطوة.. خطوة.

وبخل العمر الرذيل

والكراهية، والصفح.. والحب الجديد

الصقيع الفجائي للذكرى..

ذلك الهجران الأزرق.

* * *

آنخل غونثاليث (1925-2008)

بشكل عام تتميز قصائد آنخل غونثاليث بـ«فاعلية الاختصار»، وكما تؤكد ذلك قصيدته: «إذا أردت أن تعرف...» التي ستكون من بين القصائد التي كان يعدها لديوان قادم يتسم بأقصى طاقته في التكثيف الشعري.

إذا أردت أن تعرف ما هو الماء

سَل عنه نهراً، وسينقله لك خريراً

سَل عنه الشتاء، وسيعطيك جوابه جليداً

سل عنه النور، وسيرسمه لك قوس قزح

إذا أردت معرفة حقيقة ما هو الماء

فأطع مطلب جفاف الصيف:

اشرب.

* * *

*خوسيه هييرو (1922-2002)

كعادته في أعياد الميلاد من كل عام، كان الشاعر خوسيه هييرو يهدي قصيدة إلى حفيدته، وهذه كانت مسودة قصيدة بعنوان «أنشودة عيد الميلاد في الساحة المركزية» والتي ضمها لاحقاً إلى ديوانه الذي عنونه (دفتر نيويورك)، قال حينها: «أعمل عليه قليلاً قليلاً»، ولا زلت أشتغل في هذه القصيدة ولم أنهها، ذلك أنها من النوع المركب وموضوعها - كما هو واضح - عيد الميلاد، إلا أنها، مع قصائدي السابقة بهذه المناسبة، ليست أناشيد أعياد ميلاد للاستخدام أو الإلقاء بشكل رسمي».

في صباحات مزهرة

من البرد الشتائي

أحتضن طفلي

الذي ينام على الثلج

لوبي دي بيغا

جاء الليل ندفة ثلج بعد ندفة

.. ريشة ريشة

كان شعلة وذهباً.

عابراً علامات الحدود في سياج

الخريف المحارب.

ماذا سأفعل أنا لهذا المنتهك

المسحوق..؟

لريش الطائر المهشم؟

أنسله بيدي

ملء الكف، فرخ حمام من الثلج،

وبحب، وبرقة، وبحنان

أدلله، أضمه، أصونه

كي لا يبكي من البرد.

* * *

كارلوس بوسونيو (1923-2015)

هذه قصيدة كتبت في لحظات «أزمة روحية شديدة»، وقد أنهى بوسونيو مراجعتها وكان ينوي ضمها إلى مجموعته الكاملة حيث قال: «إنها لم تدمج في أي من كتبي، وبالنسبة لي فقد كنت دائماً أكتب: إما أبياتاً شعرية حرة أو أبياتاً منظومة، ولكن هذه القصيدة قد ضمت ومزجت أنظمة شعرية مختلفة».

قساوسة

أيها القس، أنت حتى الآن لم تصبح شاباً

اشتعل بنارك.. شمساً وفرحاً..

أيها القس، يا لشبابك المتدفق

في الدروب والأزقة

ويا للحب، مشتعلاً في صدرك.

ثمة قس آخر

.. قس غامض

في الشتاء القارس

لا تدفئك التحديات.

تدفأ باللهيب المشتعل..

من كل آلامنا

آلامهم وآلامي.

أيها القس الغامض

منذ متى هذه الاشتعالات؟

.. من أين هذا القس؟

ما الذي يشوي اللحم في هذا الموقد المحترق؟

قس غامض، لا أحد يستطيع

معرفته أو تجاهله.

أيها القس الغريب

في نارك الخشب الغريب..

ذو اللون النادر.

تستحضر الصيف كاملاً في كانون،

وتخلق فيه بعض أوراق

.. أوراق لا أحد يعتقد أنها من عدم.

وفي وسط ذلك

يكبر أكثر في كل مرة،

يرتفع ويصل

حتى السماء ذاتها

مستدعياً بعضاً

من ذلك الذي يعد فهمه مستحيلاً

تطفلت وردة

وردة معوجة، ضخمة، وحشية

.. حتى كأنها ليست وردة.

ما بال هذه الوردة مستفزة؟

ما الذي أقلق القس؟

إلام تتوق تلك الشعل التي استطالت محدقة؟

إنه قس غامض

لا أحد يستطيع الاتهام أو التبرئة.

* * *

فيليب بنيتث رييس ( 1960)

ذات مساء، في فصل الشتاء الأخير، أكمل بنيتث رييس هذه القصيدة ويتذكر فيها صالات السينما التي ارتادها في طفولته برفقة والده، ويصور فيها الاختلاطات في ذهنه لتلك الشخصيات السينمائية وحركاتها. إنها واحدة من بين خمس قصائد ينوي ضمها إلى ديوانه القادم: «حتى الآن لم أبدأ بإعداد الكتاب بشكل منظم ونهائي ثابت، وإنما أنتظر جمع القصائد المتفرقة بحيث تكون متلائمة ومنسجمة مع بعضها»:

ساد الظلام ذات صيف غزير

وكان.. خليطاً

من فاكهة فاسدة وبحر ساخن

ولكنه أيضاً، وبرغم كل شيء

طيف لفرسان يعبرون..

إلى الذهب الذي استخف بالمصير.

وكان استخفافاً بالمشاعل.

تحت نصف قمر في عمق المشهد

فوق بحر صناعي.

كانت الليلة الصيفية غزيرة

ومبللة بالورد، وكان فيها:

قراصنة بشعر مستعار منفوش

وأنواع من المسدسات

ومركبات تجرها خيول حزينة،

إلى طريق القلعة،

إلى دراكولا ظريف في ترالبانيا.

الليلة البطيئة، ومقلاع من صيف.

كانت النجوم محطمة وهاربة

في سماء من سهر، وهناك كانوا..

اللصوص المسلحون، المقتحمون،

الرجل ذو القناع الفضي

ونساء الخلجان اللائي تمددن..

جاذبية عطر الخطيئة،

في الهواء المتعرق، الليلة،

عندما أضيئت الشاشة

والأطياف

أخذ قرصانا في جسده

وفي تباهٍ معتم، أخذ الشقراء أيضاً

تاركاً حواره دائماً عائماً،

مستمراً في أحلامنا.

عطر رديء من وردة مبللة

طافياً حتى فوق عطور فصول الصيف.

* * *

خوسيه آنخل بالنته (1929-2000)

هذه قصيدة كتبت في باريس من قبل الشاعر آنخل بالنته إثر مرض ألم به، وموضوعها مستقبلي جداً.. حتى يوم القيامة حيث «اللحظة التي لا شيء يظهر ليعلن عنها» وشخصية هذه القصيدة تلتقي في يوم «غريب، قاتم، عاصف في مكان ما ودون معرفة السبب»، وهذا هو «التركيب ما قبل الأخير للقصيدة» التي سجلت عند «الخروج من الليلة الطويلة التي وضعني فيها مرض القلب»، وسوف يتم ضمها إلى ديواني الأخير.

طيور من النسيان

تعشِّش دوماً في ذاكرتي..

أعود الآن

من تخيل لا أعرفه

إلى اليوم.. بجوار الخريف..

حيث هنا

مدينة ليست لي، ولكنها في

نهاية الأمر.. مستقبلية

حيث الشمس التشرينية أقوى..

من الذي ربما ينبغي أن يموت.

أهذا هو اليوم..

يوم قيامتي؟

أوراق الأشجار تسحبها الرياح

تنطفئ خطواتنا..

.. وصلت ولم تصل

ولم يصل حتى من كان

يدعوها منذ سنين طوال.

خوسيه أوغستين غويتيسولو (1928-1999)

تنتسب هذه القصيدة إلى ديوان خوسيه أوغستين غويتيسولو الذي أكد حينها انتهاءه منه وأعطاه عنواناً ولكنه: «سيظهر في عامين أو ثلاثة لأنني أحذف كثيراً وأصحح وأراجع كل قصيدة وبشكل مستمر حتى النشر»:

إذا وجدت نفسك ذات مرة تفكر

بأن الحزن لا يعرف الرحيل

فامتلك رغبة أن ترحل أنت

عن هذا الذي.. هو طير أسود

يمارس الطيران

فوق ساعتك وبيتك.

قد تلحظ هواءً عالياً

ورفيف السقف من الرعشة

ولكن لا ينبغي لك أن تفزع

ولا أن تحتمي بين أذرع أخرى

عابراً العزلة..

مثل قطارات الليل.

نورك الذي يهرب هو أكثر جمالاً

لأن الطير الذي أعلى من الطيران

قد انتهت رحلته فجأة

وبعدها.. قد لا يحدث أي شيء.

* * *

بيري خيمفرير (1945)

«من أجل سراييفو» كُتبت للاشتراك في معرض أقيم تحت شعار «مهرجان برشلونة من أجل سراييفو»، ثم بيعت الأعمال بالمزاد. اتصل المنظمون بالشاعر هاتفياً، فسارع بدوره إلى كتابة هذه القصيدة في الليلة نفسها.

من أجل سراييفو

ما أشد صفاء الليالي المتكلسة

سارمينتو الذي وقع كلفحة الشمس،

مقص في بطن الحوريات:

ينادي باللمعان وهو الذي يغتال

حين فلقوا النور ذات شتاء

وانقسم المساء إلى أربعة أجزاء تفتحت في عناقيد

رموش من مرجان عصب طري

شفاهنا لن تقول: إننا نموت.

ومن عليائه الضوء لا ينزل

تماسك حتى الزجاج.. خزامى من غضب

النور: وس لكمنجة..

وبالحريق الذي هو رعشة

يقترب العرسان من ذهب ظليل

نحو الفسفور الذي تاق إلى البهاء.

* * *

اسبيرانثا لوبث بارادا ( 1962)

ربما كانت هذه القصيدة أكثر صعوبة وقسوة مما عرفت به كتابات إسبيرانثا لوبث بارادا، التي قامت على مدى عام بتبديل شكلها وأعادت كتابتها عدة مرات وفي عدة مناسبات، فعرفت هذه القصيدة «فروقات وملامح ووجوهاً» إلى أن وصلت بهذا الشكل النهائي تقريباً، ذلك أن إسبيرانثا تقول: إنها ليست هي التي أشعر بأنها تقنعني بشكل كامل كنتيجة لما أردته وما عملت لأجله، ولكن العمل عليها أكثر من ذلك ربما سيجعلها مغلقة على نفسها أكثر من اللازم، وضمت هذه القصيدة لاحقاً إلى ديوانها (الأيام الثلاثة):

ليس هذا بمكان يُسكن، حيث لا شيء

أستطيع مناداة نفسي، أقل من غرفتي

بيضاء، سقفي صغير أو الزاوية،

البلد الموجود في حكاية المساءات.

وبنوبات تنام الأضواء حتى الغروب،

تتغطى، تلم الصفحة التي أقرؤها.

تركض السنوات باتجاه

ليلتها الوحيدة، تنهض ريح

ومطر، لمرة واحدة فقط

فُتح الباب قليلاً، ولمرة رأينا.

الآن، أسمع أحياناً، من الحاجز

الخطوة بلا جسدي.

الهواء

كان الهواء ثقيلاً هذا الصباح

ثقيلاً في صدره

وثقيلاً في الشارع

وخلفه

يصطدم بالأجسام والعربات والأعمدة.

توقفا: هو والهواء

كأنهما أمام جدار سميك

فتح فمه وصرخ:

شقَّت صرخته طريقاً صعباً وضيقاً

فأكمل سيره تاركاً الهواء وراءه.

بول شاوول

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف