• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

في يوم الشعر العالمي

تحية لشعراء العزلة الكبار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 مارس 2016

احمد فرحات

لا تليق بالشعر مناسبة أو مناسبات، ولا وقت أو أوقات؛ فله كل المناسبات وكل الأوقات، فالقصيدة نفسها هي عيد نفسها كل يوم، كل ساعة، بل كل دقيقة ولحظة. وتجاوزاً للتعبير الأفلاطوني حول معضلة الوجود واللاوجود، أقول إن الشعر هو الوجود كله، هو مادة الكينونة وسؤالها الحي المفتوح على المفاجآت في أقصاها، انطلاقاً من ارتياد الشعراء الكبار للأبعاد الداخلية لتجاربهم العميقة، المعطوفة على درس التأويل والإدراك لكل ما يحيط بهم من ظواهر بائنة، وأخرى متخفيّة وغامضة، تنتظر من يفكّ لغزها لتكشف عن كون لم يقتحم بعد.

إن الشاعر الحقيقي هو الذي يعرف كيف يجتاز الامتحان الفاصل لدرس الشعرية فيه، وهو درس لا قواعد له، ولا طرق بعينها دالّة عليه، اللهمّ إلاّ «قواعد» و»طرق» التجربة نفسها.. التجربة المفارقة، المدهشة بأسئلتها، وعلّة فاعليّاتها، وتنامي مظانّاتها، التي يَسِمها النقاد والدارسون بـتوصيف»الإبداع».

ومع ذلك كله، لا بدّ من التنويه بما أعلنته منظمة اليونيسكو في عام 1999 بتكريس يوم عالمي للشعر في 21 مارس من كل عام، بناء على اقتراح ثقافي عربي فلسطيني مُسبّق (أعقبه دعم ثقافي مغربي، قدمته «اللجنة الوطنية المغربية لليونيسكو»، كان تقدّم به في عام 1997 الشعراء: فدوى طوقان، محمود درويش وعزالدين المناصرة إلى مدير عام اليونيسكو وقتها، الإسباني فيدريكو مايور، الذي رحّب بالفكرة، وسهّل تنفيذها، انطلاقاً من كونه شاعراً في المقام الأول، ولكونه أيضاً ينتمي إلى عائلة برشلونية مطعّمة بجذور عربية أندلسية تعود إلى القرن الثامن الميلادي. وينبغي أن نُذكّر هنا بأن فكرة قيام «يوم عالمي للشعر» نبعت أساساً من رأس الشاعر عز الدين المناصرة، باعتراف الشاعر محمود درويش، الذي تبنّاها، من فوره، مع الشاعرة فدوى طوقان، وذلك كما أسرّ إلى كاتب هذه السطور، الشاعر درويش نفسه في باريس في عام 2004.

فكرة ريادية

في كل الأحوال، من المُهم جداّ أن تُسجّل للعرب هذه الفكرة الرياديّة في المحافل الثقافية الدولية، ولاسيما الشعرية منها، لا لشيء إلا لأنهم قوم الشعر في المقام الأول، قديماً وحديثاً، وبشهادة العديد من المستشرقين الأوروبيين الثقاة، الذين خوّضوا عميقاً في التراث الشعري العربي، بعثا واكتشافاً، نقداً وتقويماً، فضلاً عن اعتراف نَفَرٍ لا يستهان به من كبار شعراء هذا العالم المعاصر، أمثال: الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، والفرنسي لوي آراغون، والمكسيكي أوكتافيو باث، والأذربيجاني نبي خزري وغيرهم.. وغيرهم.

يوم عالمي للشعر؟! إذن يقتضي منّا الأمر في هذا «العيد» تجديد الدعوة إلى الدفع بالمزيد من المؤتمرات الشعرية الدولية حول العالم، والتي كانت سائدة قبل إعلان اليونيسكو الشهير بعقود، لكنها، وبفضل التكريس السنوي الدوري لـ»يوم الشعر العالمي» منذ عام 1999، ازدادت هذه المؤتمرات الشعرية الدولية على نحو طردي ملحوظ، لكنها – مع الأسف - عادت إلى الضمور في السنوات الخمس الأخيرة، كما يقول الشاعر الهندي الشاب ضياء الدين فاروق خان، الذي كنت التقيته قبل شهور في القاهرة، على هامش سفره إلى جوهانسبرغ لحضور لقاء تمهيدي، يُهيّئ للقاء شعري شبابي على مستوى القارات في دولة جنوب إفريقيا الصيف المقبل، فأسرّ لي بشيء من الحزن «إن ظاهرة هذا العرس العالمي للشعر بدأت بالانحسار منذ خمس سنوات خلت، وأنه يتطلّع مع شعراء غيره، من أوروبا والصين وأستراليا وأميركا اللاتينية إلى عودة هذا الزخم الثقافي من جديد؛ إذ عندما يلتقي شعراء من بلدان مختلفة، وبلغات مختلفة، وثقافات مختلفة، في بلد معين، فكأنما العالم كله التقى بأحلى صورة له وأبهاها. فشعراء العالم، هم ممثلو الإنسانية الحقيقيون، وهم مستقبل العالم». ويختم قائلاً «وحده هذا التنافر الإبداعي المعولم يخلق أجمل انسجام وأقواه». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف