• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

يا مرسال المراسيل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

استطاع إعصار الرسائل الإلكترونية بعثرة أوراق الرسائل التقليدية، لكنه لم يستطع مسح ما حملته الرسائل الورقية من صدق المشاعر وحرارة الأشواق .. لم يستطع الإعصار الإلكتروني أن يغيّب عبق الحنين واللهفة ورائحة الحبر والورق.

أخبرتني «عمتي» منذ مدّة أثناء زيارتي لها، أن الفرق بين الرسائل الإلكترونية ورسائل «زمان» كالفرق بين الوردة الصناعية والطبيعية، وأن الأفئدة كانت ترقص فرحاً بمجرد وصول رسائل أحبتهم التي يطول انتظارها لأشهر، في زمن كانت فيه وسائل الاتصال شبه معدومة.. أخبرتني بأنها كانت تنتظر بأحر من الجمر رسائل زوجها الذي أمضى الكثير من سنواته مسافراً يطارد لقمة العيش في منتصف الستينات من القرن الماضي، وأنها كانت تلثم رسائله وتحتضنها في غيابه بين الحين والآخر.. أخبرتني أنها كانت تقرأها عشرات المرات حتى حفظتها عن ظهر قلب، وأنها ترى وجههُ في أحرف كلماته وتشم رائحته بين أوراق رسائله.

العشّاق ورسائلهم الورقية فلا تزال شذى رائحتها فوّاحة إلى يومنا هذا، حيث بيعت منذ شهر تقريباً في أحد مزادات «نيويورك» رسائل كتبها الرئيس الأميركي الراحل «جون كندي» بخط يده لعشيقته السويدية «غونيلا فون بوست»، وعلى الرغم من أنه لم يتزوجها، فإنه واصل مراسلتها حتى بعد زواجه بـ «جاكي».

ولم تستطع الأميرة الراحلة «ديانا سبنسر» أن تتوقف عن كتابة رسائل العشق للضابط البريطاني «هويت» الذي شغفها حباً، على الرغم من تحذير حارسها الشخصي «كين وارفي» بإمكانية استغلال الرسائل ليتكسّب منها «هويت» لاحقاً، لكنها استمرت في كتابة الرسائل بغزارة غير آبهة، ومنذ أيام عدة قامت النجمة البريطانية «جوان كولينز» بطرح مقتنياتها الشخصية في أحد مزادات بريطانيا، والتي تضم رسائل غرامية للممثل الأميركي الشهير «وارين بيتي» كتبها لها في ستينيات القرن الماضي، ولا تزال رسائل «جبران خليل جبران» لـ «مي زيادة»، ورسائل «غسان كنفاني» لـ «غادة السمان» في ذاكرة الحب والأدب، نسمع لها شجناً يداعب طيّات أرواحنا، ولا يزال قلبي يخفق كجناحي طائر يلوذ بالفرار كلما سمعت فيروز تغني: «يا مرسال المراسيل ع الضيعة القريبة، خذ لي بدربك هالمنديل وأعطيه لحبيبي».

أحمد سالم الغافري - العين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا