• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

زيارة غير ملائمة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

قصة: بول بولز ترجمة وتقديم : مازن معروف

كان بول بولز (Paul Bowles) مجرد مراهق عندما بدأ كتابة القصة القصيرة والشعر والتأليف الموسيقي. نشرت له المجلة الفرنسية «تحولات» ذات الاتجاه السوريالي أولى قصائده في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يقرر في العام التالي حزم حقائبه وبدء مشوار أسفاره الطويل بين أوروبا وشمال أفريقيا والمكسيك وأميركا الوسطى. غير أن ملكة القصة القصيرة لم تتأصل فيه إلا بعد أن أصبح مقيماً بصورة دائمة في طنجة التي توفي فيها. له أربع روايات ومائة قصة قصيرة إضافة إلى مقالات في أدب الرحلات.

في قصصه، يحاول بولز إبقاء الفانتازيا في حدود معقولة جداً، مطعمة بسخرية خافتة، كما لو أنه يقول لك دعابة أو يروي حكاية عجيبة دون أن يفكّ خيوط العبوس عن وجهه. ولا يبلغ رومانطيقية أدباء اشتهروا باحتكاكهم ببيئات مدقعة أو تعيسة كالفرنسي لوكليزيو، وجعلها موضوعاً للكتابة. فنحن هنا أمام كتابة تلتفت أكثر للحدث، لا للتوصيف. كأنها مدارة نحو الاحتجاج... هنا ترجمة لقصته «زيارة غير ملائمة».

بعد مئات الأعوام من الطواف في الفضاء، تولَّدت لدى سانتا روزندا رغبة في أن تعود إلى الأرض. إذ شعرت في الفترة الأخيرة بحنين إلى موطنها وتكوّن لديها اعتقاد مسوق بالعاطفة، بأن الإحساس بالأرض الإسبانية تحت قدميها من جديد سيجعلها سعيدة. لم تفصح عن موعد وصولها. ذلك أنه إذا ما كُشف أمرها، فإن الانتباه الذي ستجتذبه، قد يحوّل كل السلام الذي تصورته إلى ضرب من المستحيل.

إلا أنه كان من الضروري لسانتا روزندا إذا ما أرادت أن تشعر تماماَ بتماس مع الأرض، أن تتجسد. في تلك الحالة فقط ستصبح أكثر تقبلاً بواقع ما قد يحيط بها. هذا بالطبع سيجعلها بائنة، كشائبة، جزئياً بسبب ملابسها غير المناسبة للعصر، بل أكثر من ذلك، فإن الأورة الخفيفة التي حول رأسها تحمل، وبصورة لا تقبل الشك، شكل هالة.

وصولها، كان مفاجئاً. فقد ظهرتْ ببساطة من بعد ظهر أحد الأيام خلف أجمة شجيرات في الحديقة العامة لمدينة إسبانية في الأقاليم. امرأة تعمل مدرّسة كيمياء في كلية قريبة، كانت جالسة على مقعد. ما إن رأت سانتا روزندا حتى نهضت بفزع من مكانها وأطلقت ساقيها للريح. وهو ما لم يبشر بالخير لفترة استجمام على الأرض. أدركت سانتا روزندا أن عليها تجنُّب المدن.

وبالتالي، فقد حطت رحالها في حقل خارج قرية صغيرة على جزيرة مينوركا. اختارت أن تهبط في الحقل لأن معالمه أبهجتها، ولاعتقادها أنه سيكون مهجوراً. لكن فتاة من القرية كانت جاثمة في الحقل تجمع الخُضر، وقد جعلها وصول سانتا روزندا المفاجئ تنهض وقد اعترتها الدهشة. عندئذ، اختفت سانتا روزندا بلمح البصر، لكن الوقت كان قد فات. فالفتاة هرعت إلى القرية وهي تصرخ بأنها شهدت معجزة. وقد مُنِحت قصتُها كل المصداقية. اتجه المئات من الناس إلى الحقل بغية رؤية ولو بارقة من ذلك التجلي القدسي. أما سانتا روزندا، فشاهدتهم ببغض وهي تحلق فوق رؤوسهم، وعزمت بأن تنقل نفسها إلى البر. فعليها أن تجد بقعة بهيجة، بحيث يمكنها البقاء فيها دون الخوف من أن تُرى. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف