• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

تلتف بهم قبل أن يلتفوا بها.. وقماشها من لون قلوبهم

عِمَّة السودانيين..سليلة التاريخ وبنت الجغرافيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

رضاب نهار

تحيك عمامة السودانيين، أقمشة حكاياهم. تخيط شخوصها بعضها ببعض، وتلتف بهم قبل أن يلتفوا بها. ترسمهم بلون واحد ناصع كقلوبهم الملأى بعاطفة شحنها النيل على امتداد رقعة الجغرافيا. وتجعل منهم علامة مميزة، تفرد دلالاتها كمن يفرد أشرعته، فلا يخشون شيئاً ويسيرون مفعمين بروح الأرض ومناجاة السماء، يمطرون حباً وشغفاً أبديين.

لن تأخذ وقتاً طويلاً عند النظر إلى ذلك الرجل الذي لا زال يحتفظ بعمامته البيضاء متكدسة وشاهقة فوق رأسه ويمشي متنقلاً بجلبابه الطويل، لتكتشف أنه سوداني الجنسية والانتماء والحب. حيث يرفض معظم الرجال هناك، أن ينزعوا عنهم هذا الزي الذي يرتدونه كما لو كان بطاقاتهم التي تعرّف بهم، متمسكين بخيوطه ونسيجه منهجاً وطريقة في الحياة ونحو الموت..

مشهد تشكيلي

يبدو منظر العمامة على رؤوس رجال السودان، مشهداً تشكيلياً يشير بكتلته إلى بعد فني يظهر جمالية الثقافة السودانية وخاصيتها المرتبطة بحال البيئة وروح أهلها ونمط عيشهم. فالصورة من الناحية الشكلية تشغل المستوى العلوي من الجسد الإنساني، وتحاكي في مضمونها مفهوماً تاريخياً وفكرياً واجتماعياً وجغرافياً. دون أن تنأى بأصولها القديمة واستمراريتها الحاضرة والمستقبلية، عن حكايا الناس المجسّدة لطبائعهم الثقافية، وانعكاساتها السياسية.

كذلك يتسلل البعد الفني إلى منطق التكيّف مع «العمامة» وسط معطيات تقوم على الغرابة والدهشة. فكيف للرأس وهو العضو المترنح في كافة الاتجاهات، يميناً ويساراً، إلى الأسفل وإلى فوق، أن يحمل ثقل خمسة أمتار من القماش ملتفة على هيئة قبعة متداخلة الأطراف والأجزاء؟ إذ ليس من السهل أبداً أن يعيش الرجل حياته ذهاباً وإياباً، في الطريق، في العمل وفي غيرها من الأماكن، وهو يحمل فوق رأسه ما يعيق حركته وقدرته على مواجهة ديناميكية العيش يومياً. لكن السوداني يفعلها وتراه يواجه غمار الأيام وتلونها بعمامة بيضاء تتوّج رأسه وتستقر فوقه.

دلالات ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف