• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ميشيل فوكو يقدم لنا أدوات قراءتهما

حق الموت.. وسلطان الحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 24 ديسمبر 2015

في الفصل الأخير من كتاب «أمزجة فلسفيّة، من أفلاطون إلى فوكو»، الصّادر عن دار فايار الفرنسيّة، وقد خصّصه الفيلسوف الألماني بيتر سلوترداك Peter Sloterdijk لميشال فوكو، نجده يتحدّث عن صاحب «الكلمات والأشياء» بوصفه حدثاً فلسفيّاً عظيماً وسم مرحلة حاسمة من التّحوّل المابعد ميتافيزيقي postmétaphysique من التّفكير الفلسفيّ الغربيّ. فإذا كان نيتشه ينادي بأن يصبح دينوسيوس فيلسوفاً فإنّ فوكو كان يراهن على أطروحة أخرى يضحي دينوسيوس بمقتضاها أرشيفيّاً archiviste. ولا غرابة في ذلك فقد انتقل مجال البحث الفلسفي مع فوكو من مقاعد الجامعة وبيوت الحكمة والمكتبات العظيمة إلى كهوف الأرشيف القابع في مؤسّسات المصحّات النّفسيّة، ومستشفيات الأمراض العقليّة، قبل أن ينتقل في مرحلة أخرى إلى السّجون وأجهزة الدّولة المعقّدة.

بفضل تبحّره الأركيولوجيّ في اللّغات الإداريّة الّتي سادت في العصور السّابقة تمكّن فوكو من إحداث انقلاب في المعرفة الفلسفيّة جعلته يفلح في مداورة مشاكل الفلسفة الرّسميّة والاقتراب في معظم أعماله، إلى حدّ الالتباس، من اختصاصات أخرى بات فيها التفريق بين فوكو الفيلسوف وفوكو النّاقد الأدبي أو فوكو الطّبيب النّفسي أو فوكو مؤرّخ المجتمع، أمراً عسيراً. إلاّ أنّ فوكو، وإن انغمس في أرشيف العلوم الإنسانية وتعمّق في دراسة الممارسات الانضباطيّة، قد ظلّ في كلّ ما كتب فيلسوفاً بما يحمله هذا اللّفظ من معاني التّسامي والنّظر العميق.

ورغم ذلك لا نجد في كلّ أعماله نصّاً واحداً يمكن أن يُقرأ باعتباره مساهمة في مشاكل الفلسفة الأساسيّة، أو تفسيراً للنّصوص الكلاسيكيّة. وربّما لأجل ذلك ظلّ تصنيفه أمراً مثيراً للجدل. فإن كان بعض الفلاسفة يعتبره ابن الفلسفة الترسندنتالية الضّالّ، فإنّ بعض المؤرّخين قد نظروا إلى أعماله بعين الارتياب. فقد اعتبروها مجرّد تخييلات fictions تاريخيّة متوحّشة لامعة جدّاً. بيد أنّ سلوترداك يتجاوز هذا الإشكال معتبراً أنّ فوكو لم يكن ذاك الفيلسوف الّذي كان حريصاً على تجميع رصيد هائل من الحقائق الدّائمة، وإنّما كان مثل ذاك الّذي صعد على الرّكح لا قصد له إلاّ كتابة تاريخ الأحداث البارقة كالوميض. ذلك أنّ الكائن étant الحقّ عنده هو من طبيعة الوميض les éclairs. فمعنى الكينونة l’être عند فوكو ليس الوجود، ولا الصّيانة اللاّزمنيّة للجوهر، وإنّما هو الحدث بما هو انفتاح أفق وزمنيّة ذات نسق ظرفيّ مؤقّت.

غير أنّ عمل الفيلسوف فوكو ما كان ليكتمل لو لم يعاضد عملَ رجل الإبستمولوجيا والأركيولوجيا عمل فوكو السّياسيّ والإيطيقيّ. وهو عمل قد واجه معضلة كبرى تمثّلت في هذا التّحدّي الّذي اتّخذ من إعادة التّفكير في نواة الفلسفة برمّتها موضوعاً. بيد أنّ هذا التّحدّي قد جعله فوكو يجابه نظريّةَ الحريّة بوصفها عقيدة الحدث الّذي يحرّر الكائن الفرديّ l’individuel.

صعوبة فوكو

في هذا السّياق العامّ، نجد في قول الفيلسوف سلوترداك، في شأن الأثر الفلسفي الكبير الّذي خلّفه ميشال فوكو، ما يبرّره اليوم. فقد ذكر في كتابه «لا الشّمس ولا الموت» أنّ هذا الأثر «يمثّل قطيعة لم يفهمها إلى اليوم سوى قلّة من النّاس». وإذا استثنينا جاك دريدا Derrida وجيل دلوز Deleuze وميشال دو سرتو De certeau وبول فاين Veyne وميشال سير Serres وهوبار درايفوس Dreyfus وبول رابينوف Rabinow وغيرهم من كبار قرّاء فوكو ومعاصريه أيضاً فإنّ فهم ما أحدثته أعمال فوكو الفلسفيّة من قطيعة يقتضي منّا أن نبحث عن آثار هذه القطيعة في أعمال فلسفيّة أخرى استعانت بـ»صندوق أدوات»، (أو كتب) فوكو لتحدث قطائعها الخاصّة، أو لتعمّق فهمها لما خلّفه صاحب «تاريخ الجنون» من قطائع في كلّ الحقول المعرفيّة الّتي طرقها والمواضيع العجيبة التّنوّع الّتي عالجها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف