• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

معالجات إسلامية

في ظلال شهر ربيع الأول

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 18 ديسمبر 2015

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين... وبعد:- يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، «سورة آل عمران: الآية 164». جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة: «لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ»، أي والله لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربياً من جنسهم، عرفوا أمره وخبروا شأنه، وخصَّ تعالى المؤمنين بالذكر وإِن كان رحمة للعالمين، لأنهم هم المنتفعون ببعثته (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، أي يقرأ عليهم الوحي المنزل (وَيُزَكِّيهِمْ)، أي يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال (وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة) أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة (وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، أي وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فنقلوا من الظلمات إِلى النور، وصاروا أفضل الأمم»، (صفوة التفاسير للصابوني 1/&rlm&rlm241). يتفيأ المسلمون في هذه الأيام ظلال شهر كريم- شهر ربيع الأول- ومناسبة عظيمة تتعلق بأكرم مولود، إنه سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، «سورة الأنبياء الآية 107». ففي شهر الربيع وُلِدَ رسولُ الإنسانية ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم-، فقد ورد في كتب السيرة أنه- صلى الله عليه وسلم- وُلِدَ بمكة المكرمة يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل، «وأما كونه وُلد عام الفيل فذلك مقطوع فيه، ولكن اختلفوا في اليوم والشهر، والجمهور على أنه في الثاني عشر من ربيع الأول كما نصَّ عليه ابن اسحق في السيرة، وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: «وُلِدَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عام الفيل يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات، قال في البداية والنهاية: وهذا هو المشهور عند الجمهور»، (النبوة والأنبياء للصابوني ص 214). لقد بزغ الفجر النبوي ليحيي هذه الأمة ويبعثها من جديد وليجعل منها أمة مميزة، ومن المعلوم أن الأمة الإسلامية تتميز بميزتين: هما الخيرية والوسطية، كما قال سبحانه وتعالى في الخيرية: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)، «سورة آل عمران: الآية 110»، والوسطية فهي أمة الوسط «الخيار والأفضل»: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، «سورة البقرة: الآية 143». والرسالة الأخيرة التي جاء بها رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - هي رسالة عامة، وعموم الرسالة الإسلامية جاءت به آيات وسنن، ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أنَّ كل ما نزل يفيد عموم الرسالة كان في العهد المكي. ولأهمية ذلك نقول: كان الإسلام يعاني من جبروت الوثنيين فكان القرآن يتنزل بأن هذه الرسالة ليست لِقُطْرٍ معين بل للبشرية كلها، ولو أن الآيات التي تتحدث عن عموم الرسالة تنزلت في العهد المدني، أو أواخر أيام الرسالة لقال بعض الناس: نبي نجح في أن يفرض نفسه على قومه في شبه الجزيرة العربية فأغراه ذلك على أن يوسع نفوذه، لكن والحمد لله، فإن عموم الرسالة وعالمية الدعوة تأكدت منذ اللحظات الأولى للدعوة. وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً، لقد خصَّ الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن أرسله للناس كافة دون سائر الأنبياء، حيث إن كل نبي كان مبعوثاً إلى قومه خاصة، كما جاء في القرآن الكريم عن سيدنا عيسى - عليه الصلاة والسلام-: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)، «سورة آل عمران: الآية 49»، وعن سيدنا هود - عليه الصلاة والسلام-: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)، «سورة الأعراف: الآية 65»، وعن سيدنا صالح - عليه الصلاة والسلام-: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)، «سورة الأعراف: الآية 73»... إلخ، في حين أن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بُعث إلى الناس كافة كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، «سورة سبأ: الآية 28»، وكما جاء في الحديث الشريف: «فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ: أعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرعب، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائم، وَجُعِلتْ ليَ الأرضُ طهوراً ومسجداً، وَأُرْسِلْتُ إلى الخلقِ كافَّة، وخُتم بيَ النبيُّونَ»، (أخرجه مسلم، فهو - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، «سورة الأحزاب: الآية 40»، وكما جاء في الحديث: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ»، (أخرجه البخاري. وعند دراستنا للسيرة النبوية الشريفة نجد أن العرب كانوا قبل الإسلام أشتاتاً متفرقين، لا تجمع بينهم عقيدة صحيحة ولا تؤلف بينهم حكمة جامعة، تتقاسم سيادتهم دولتا الفرس والروم، حيث تتحكمان في مصائرهم وتبتزان أموالهم، وتستنزفان دماءهم وتضربان بعضهم ببعض، هكذا كانت الدنيا قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - قد شملتها الحيرة والبؤس.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا