• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

دروس نيوتن وغاندي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 ديسمبر 2015

إن عالمنا حافل بالمشكلات. وهذه حقيقة لا مرية فيها. وقد اصطلح الفلاسفة على وصفها بـ «مشكلة الشر». غير أن هذا الوصف تسمية خاطئة. فهو بمثابة إطلاق اسم سلبي على ظاهرة إيجابية. توجد في الدنيا مشاكل ولا ريب.. ولكن المشاكل بحد ذاتها ليست شراً، وإنما هي تحديات. فالتفسير الهادف الوحيد لهذه الظاهرة هو أن يُنظر إلى المشاكل على أنها تحديات لا غير.

ويمكن تفسير هذه الظاهرة الحياتية على ضوء خطة الخالق لهذا الكون. ويتضح لنا حين نتأمل في خطة الخالق الكونية، أن هناك فارقاً نوعياً بين الإنسان والعالم المادي.. إن مسار العالم المادي محدد سلفاً وهو لا يتمتع بحرية الاختيار، فليس بمقدوره أن يحيد عن مساره المحدد من قبل الخالق قيد شعرة... وأما الإنسان فهو حر في اتخاذ قراراته وخياراته. وهذا هو الفرق الذي تتولد عنه مشكلات يمكن تناولها بمنظور إيجابي. لا يوجد في العالم المادي مفهوم التطوير أو التنمية الذاتية. بينما الإنسان، على العكس من ذلك، خُلق مزوداً بإمكانات هائلة. وهذه الإمكانات قابلة للتجسيد على أرض الواقع في ظل ظروف صعبة. فلا سبيل لكي تتحول تلك الإمكانات الكامنة في الإنسان إلى حقائقَ واقعة إلا تحت ظروف ضاغطة. وعليه، فإن إضفاء وصف «الشر» على هذه الظروف الصعبة ينم عن عدم فهم لقانون الطبيعة.

إن كوكبنا الأرضي يتوافر فيه ما يسمى «الجاذبية» بنسبة صحيحة ومتناهية في الدقة. وهذه الجاذبية من الأهمية بمكان لدرجة أنه لولاها لم تشهد الأرض نشوء أي حضارة على ظهرها أبداً... ولكن هذه النعمة الربانية ظلت مجهولة لدى الإنسان حتى تلقى العالم الفيزيائي نيوتن ما يشبه نوعاً من «العلاج بالصدمة» على يد الطبيعة. فحسب القصة المعروفة، كان نيوتن ذات مرة جالساً تحت شجرة التفاح في حديقته إذْ سقطت تفاحةٌ على رأسه. وكأن الطبيعة من خلال هذه «الضربة على الرأس»، كانت تنادي بلغة صامتة تقول: «أيها الإنسان لِمَ لا تفكر؟! فلو أعملت تفكيرك فسوف تتعرف على حقيقة عظيمة».

وفي هذا الصدد، كل الناس مثل نيوتن. حيث يولد الكل ويحمل في مخه كنزاً عظيماً من الطاقات الدفينة. بيد أن كل إنسان يحتاج إلى «علاج بالصدمة». وتلك هي سنة من سنن الطبيعة لا محيد عنها ولا يُستثنى منها أحد. فمن دون الخضوع لهذه التجربة المريرة أو المؤلمة لن يتكشف عقل الإنسان عن مكنوناته، وبالتالي هو لن يقدر على تحقيق أي نجاح يُذكر.

وُلد المهاتما غاندي في الهند عام 1860. وبعد استكمال دراسته سافر إلى جنوب أفريقيا لممارسة المحاماة. وفي ذلك الوقت، لم يكن لديه أي فكرة عن الكفاح من أجل تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني. ولكن حادثة وقعت في سنة 1893 أثارت ذهنه. ففي شهر يونيو من ذلك العام، كان عليه أن يقوم برحلة إلى بريتوريا في الترانسفال أدتْ به في نهاية المطاف إلى مدينة بيترماريتزبرج. وما إنْ استقر غاندي على مقعده في مقصورة الدرجة الأولى من القطار لكونه يحمل تذكرة الدرجة الأولى، حتى أمره مسؤولو السكك الحديدية بالانتقال إلى مقصورة عادية لعدم جواز دخول غير البيض آنذاك إلى الدرجة الأولى. وعندما رفض غاندي الامتثال لأمرهم هذا، تم دفعه من القطار عنوة ورُميتْ حقائبه على الرصيف، وكان ذلك في ليلة شاتية شديدة البرودة.

ويتحدث غاندي عن هذه التجربة المريرة قائلاً، إنها: «غيرت مجرى حياتي». إذْ تمخضتْ هذه الحادثة عن أحداث فارقة أخرى دفعتْ بغاندي نهائياً إلى اتخاذ قرار العودة إلى الهند ليقود حركة الاستقلال في عام 1920. وكانت النتيجة أنه برز كأعظم زعيم لحركة استقلال الهند ولُقب بـ «المهاتما غاندي»... إذا ضربتْ «تفاحة» برأسك، فلا تأخذها بمأخذ سلبي، بل ينبغي أن تدرك أنها إنما ضربت رأسك لكي تجعل من عقلك عقلاً فوق العادة. بمعنى آخر، عليك أن تعتبر أي «ضربة» أو «عثرة» تواجهك في حياتك بمثابة «نداء استيقاظ» فحواه: أن يوماً جديداً يوشك أن يشرق عليك وما عليك إلا أن تكون على أهبة الاستعداد لاستقبال هذا اليوم الجديد وحسن استغلاله.

أبو صالح أنيس لقمان الندوي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا