• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

هناك نظرية استخبارية خبيثة تكمن في استخدام المتدينين ضد الدين أو استخدام الدين لهدم الدين والوطن معاً، وهي فكرة ضرب عصفورين بحجر واحد

لعبة تدمير الأوطان.. والعودة لعبادة الأوثان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 16 ديسمبر 2015

لماذا تحوَّلت أجهزة الاستخبارات من العمل في الحانات، والمراقص، والبارات، وعلب الليل، وأوكار عصابات المافيا، ومع جماعات النضال العلماني، أو الشيوعي، أو الإجرامي، مثل جبهات الدرب المضيء في أميركا الجنوبية والألوية الحمراء وبادر ماينهوف بألمانيا، والخمير الحمر في كمبوديا إلى دور العبادة وقاعات الصلاة الإسلامية والمسيحية واليهودية، وجماعات «القاعدة»، و«النصرة»، و«داعش»، و«الإخوان»؟ بمعنى.. لماذا تحولت الاستخبارات من العمل العلماني إلى العمل الديني؟

هذا التحول الدراماتيكي للاستخبارات من العلماني والشيوعي إلى الديني له مبررات منطقية جداً.. أهمها على الإطلاق قتل المناعة الوطنية لدى الشعوب، وبالتالي قتل مقاومة الغزو والاحتلال وشرعنة الخيانة والتجسس والتآمر، بحيث تصبح هذه الآفات مقبولة شعبياً خصوصاً في الدول العربية والإسلامية. والتحول من اللاديني إلى الديني في عمل أجهزة الاستخبارات يرمي إلى تديين كل ما هو مرفوض شعبياً وإحداث القطيعة التامة والتناقض بين ما هو وطني وما هو ديني بحيث لا يلتقيان أبداً - بل يتراجع الوطن تماماً ويضمر في القلوب والعقول حتى التلاشي لصالح ما يرى عملاء الاستخبارات أنه ديني.

وقد كان الشعور الوطني دوماً حجر عثرة في طريق غزو الدول وإخضاعها وتفكيكها، وأزيل هذا الحجر تماماً عندما صار تفكيك الدول وإخضاعها وتدميرها يتم باسم الدين والخلافة، وضرب العاطفة الوطنية فكرة ماسونية بامتياز من أجل تحقيق الحلم الماسوني الأكبر وهو أستاذية العالم، وأستاذية العالم في الفكر أو النسق الماسوني هي نفسها فكرة الخلافة في النسق «الإخواني» والإرهابي عموماً... والنسق الماسوني هو بحذافيره النسق «الإخواني» وإنْ اختلفت الأسماء حسب مقتضى الحال... وقد كتب كثيرون عن العلاقة العضوية بين الفكر الماسوني والفكر «الإخواني» إذا صح أن نسمي ما يتبناه الفريقان فكراً.. حتى كلمة (الأخ) مصطلح ماسوني استخدمه «الإخوان» ومن تابعهم وتبعهم من الجماعات الإرهابية، بل إن هذا المصطلح لم يستخدمه المسلمون الأوائل والصحابة (رضوان الله عليهم أبداً).. فلم تنقل لنا كتب السير والتاريخ أن أحداً قال: الأخ أبو بكر، أو الأخ عمر، أو الأخ علي، أو الأخت نسيبة، أو الأخت خولة.. فقط.. كان هناك لقب الأم لأمهات المؤمنين زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم)، لأن إطلاق لقب الأم عليهن كان أمراً قرآنياً مباشراً.

والنسق الماسوني «الإخواني» كتاب واحد، لكن له طبعات متعددة مزيدة ومنقحة، أو هو نسخ متعددة من كتاب واحد بحيث يمكن تطويعه ليتلاءم مع كل مذهب وكل دين وكل منهج، بمعنى أن الأهداف واحدة لكن وسائل بلوغها متعددة. ويمكننا القول بمنتهى الثقة، إن ميكيافيللي هو الأستاذ الأول، أو هو أحد الأساتذة الأوائل للإخوان، وإن كتاب «الأمير» يكاد يكون الكتاب المقدس للماسونية الأخطبوطية ذات الأذرع المتعددة والمتمددة في العالم.

ومن هذا المنطلق وأعني به منطلق النسخ المتعددة من كتاب واحد يمكن الوصول إلى نقطة التلاقي بين الأضداد والمتناقضين.. ويمكن فهم العلاقة القوية والعضوية بين «الإخوان» السنة وحزب «الدعوة» الشيعي في العراق، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء حيدر العبادي.. كما يمكن فهم التشابه إلى حد التطابق بين النسق «الإخواني» السُّني والنسق الإيراني الشيعي والتراتبية المتطابقة من المرشد الأعلى إلى من دونه.. ومكتب الإرشاد «الإخواني» ومكتب الإرشاد الإيراني. ومصطلح المرشد والإرشاد في النسقين وفكرة عالمية الثورة.. وفكرة اختراق السيادة الوطنية عن طريق ولاية الفقيه، لأن الفقيه هو ولي أمر أو هو أستاذ العالم، وهو الذي يشرع ويفتي حتى على البعد.. وحتى لو كانت فتاواه متناقضة مع القوانين الوطنية لأي دولة.

وبالعودة إلى الاستخبارات، نفهم العلاقة القويَّة بين الجماعات الإرهابية وأجهزة الاستخبارات الدولية، إذ تغيرت تماماً النظرة الشعبية إلى الجواسيس والعملاء والمتآمرين وتحولت من النبذ والرفض إلى القبول والتعاطف والتبرير أيضاً، وهذا التحول يعود إلى تديين العمالة والجاسوسية، ولم يعد يخطر ببال أحد أن هؤلاء المتدينين متآمرون وجواسيس وجنود ضد أوطانهم في أجهزة الاستخبارات الدولية، كما لا يخطر ببال أحد النظرية الاستخبارية الخبيثة وهي استخدام المتدينين ضد الدين أو استخدام الدين لهدم الدين والوطن معاً، وهي فكرة ضرب عصفورين بحجر واحد.. بمعنى تشويه وتدمير قيم الإسلام بأيدي أهله وتدمير الأوطان بأيدي أبنائها، ولذلك يعود العرب بالتحديد إلى حقبة القبلية المتناحرة والقبائل المتصارعة قبل الإسلام.. ويعود الدين الإسلامي الواحد إلى حالة التعدد الصنمي التي كانت في الجاهلية.. أي يتلاشى الوطن تماماً وتحل محله القبيلة، ويتلاشى الدين تماماً وتحل محله الحالة الصنمية الوثنية لكن الأصنام هذه المرة من لحم ودم.. أو هم بشر وأمراء جماعات.. فهناك من يعبد صنم الظواهري.. ومن يعبد صنم المرشد أو صنم المرجع أو صنم أمير النصرة، أو أمير الحوثي أو أمير الحشد الشعبي، وعندما تصبح الحالة الصنمية من لحم ودم تصبح القرابين المقدمة للأصنام أيضاً بشرية.. والعمليات الانتحارية المتعاقبة ما هي إلا قرابين بشرية للأصنام البشرية التي يعبدها الانتحاريون.. واستخدام الدين في تجنيد المتآمرين والجواسيس نجح تماماً وبامتياز في تدمير جهاز المناعة الوطني لدى الناس ونجح تماماً في جعل الاحتلال والغزو وإخضاع الأوطان وتدميرها عبادة وتقرباً إلى الله، كما نجح في جعل الدين الواحد متعدداً كما كانت الحالة الصنمية في الجاهلية.. بحيث أصبح لكل قبيلة صنمها ولكل جماعة وثنها... كما أصبح تجنيد عملاء وجواسيس ميسوراً جداً ومبرراً لأنه يتم باسم الدين.. إنها لعبة خطيرة وقذرة هدفها في النهاية تدمير الدين والأوطان.. والعودة لعبادة الأوثان!

*محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا