• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

سعيد سالمين يقدم تجربته الروائية الثانية في مهرجان دبي السينمائي

«ساير الجنة».. السؤال هو الجواب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 14 ديسمبر 2015

إبراهيم الملا (دبي)

أن تسلك الدرب خير من أن تعثر على المكان، وأن تصبو إلى الغاية خير من أن تمتلكها، وفي مدارك العارفين: يكون السؤال هو ذروة الجواب، وينتهي الطريق من حيث يبدأ العزم، وهكذا، وعلى هدي هذه الحيرة المضيئة بسالكيها، والمكابدات المنتشية بمريديها، يقودنا الفيلم الروائي الطويل «ساير الجنة» للمخرج الإماراتي سعيد سالمين، إلى مدارات الطفولة المستلبة، والمباهج المسروقة، وإلى حيث يكون البحث عن الخلاص هو أصل الحكاية ومنتهاها أيضاً، إشارة إلى أن كمال الجوهر، لا يمكن أن يكون دائماً ضحية لنقصان المظهر.

تم عرض «ساير الجنة» ضمن مسابقة المهر الإماراتي بالدورة الـ12 من مهرجان دبي السينمائي الدولي، وهو العمل الروائي الطويل الثاني للمخرج بعد فيلم «ثوب الشمس»، ولعل المراحل التي قطعها سالمين، والخبرات والتجارب التي اكتسبها في المسافة الزمنية بين الفيلمين، وضعته هذه المرة في المسار الأوضح، والأكثر انتماء للتعبير السينمائي المتخلّص من شوائب البدايات وارتباكاتها، ومن تابع مسيرة العمل الفني لسالمين مع الأفلام القصيرة منذ ما يقارب العشر سنوات، وصولا إلى آخر أفلامه، يتلّمس هذا التطور الملحوظ في أسلوبه الإخراجي، وتحكّمه في المفاصل التقنية للكادرات البصرية، وانتقائه لقصص وحالات تتجاوز الرصد الخارجي المحايد والبناء الشكلي الجاف، بل هي هنا تنتصر أكثر للتجريد والترميز، وخلق مساحات تخيلية لا تستنطق المرئي فقط، بل ترتحل باتجاه العلاقات الخفية بين الذات والآخر، وبين المعلن والمضمر، وبين الظاهر والمتواري، رغم أسلوب الفيلم الواقعي الذي خدم مضمون العمل وفكرته، قبل أن يخدم مبتغاه السردي والانطباعي.

يحكي الفيلم قصة الطفل سلطان (11 عاماً) ـ الممثل الواعد جمعة الزعابي ــ الذي يسكن مع عائلته في إمارة أبوظبي، ويعاني من فراغات عاطفية على أكثر من صعيد وجهة، حيث فقد أمه وهو رضيع، وهجرت جدته من أبيه المنزل قبل سنوات طويلة، وارتحلت إلى منطقة الفجيرة، لتظل أشواقه الممزقة حائرة بين أب مهمل، وزوجة أب قاسية، بينما تبقى أسماك الزينة وأخته الصغيرة والبريئة هي بقايا السلوى الوحيدة في هذا البيت المنهدم على خراب الروح وجرح الذكرى.

وفي المراحل التي تزداد فيها قسوة زوجة أبيه، ورميها لحوض أسماكه خارج المنزل، يعثر سلطان في حقيبة والده على صورة جدته وعليها عنوانها في الفجيرة، ويعثر كذلك على شريط صوتي تبث فيه الجدة شكواها من الأب ومن زوجته الجديدة المتسلطة، وتفصح في الشريط عن اشتياقها لسلطان الذي هجرته وهو رضيع ولم تره وهو يكبر أمام عينيها، وعندها يقرر سلطان أن يصطحب صديقه سعود ــ الممثل أحمد الزعابي ــ للذهاب إلى الفجيرة للعثور على جدته، يستعين الاثنان بورقة وهمية من المدرسة تشير إلى قيامهما برحلة تستغرق يومين إلى المنطقة الشرقية، ويلجآن للمواصلات العامة ليصلا إلى دبي ثم الشارقة وصولا إلى الفجيرة، وفي محطة الشارقة سيواجهان مشكلة تأخر الحافلة، ويصادفان السائق محمد ــ الممثل عبدالله مسعود ــ الذي يسكن الفجيرة، ويقرران الذهاب معه، للبدء في رحلة أخرى للبحث عن الجدة هناك، وطوال الطريق سيكون صوت الجدة هو وقود الشغف، وستكون أغانيها التراثية الشفافة والحميمية، هي المعبر والمنفذ لمتواليات الحكاية التي يصوغها الفيلم هنا على مشهديات مفتوحة على الطبيعة ومفاجآت الطريق، وعلى مشهديات أخرى تتشكّل في دواخل سلطان انقيادا لنداء الفضول، والحنين، والرغبة المتأججة في امتلاك الدفء الحقيقي وغير المزيف لدى الجدة، وهو دفء سيسع دون شك كل خيالات سلطان وكل خساراته السابقة أيضاً.

ولكن نقطة اللارجعة التي قرر سلطان وصديقه سعود تجاوزها، ستصطدم بعقبة كبيرة وهي فقدانهما لصورة الجدة وعنوانها ودخول سعود في عراك مع شابين يكبرانه في السن، قبل أن يسرقا هاتفه المحمول، ووسط هذه الحيرة المضاعفة واليأس المركّب، يعثر الاثنان وبالصدفة على السائق محمد مجدداً، الذي يقرر هذه المرة العودة بهما إلى أبوظبي، ولكن الظرف الصحي الطارئ لوالدته يجبره على العودة إلى الفجيرة واصطحابها من المستشفى إلى منزله، وهناك يتعرف سلطان على والدة محمد المسنّة، ويبدأ في خلق مساحة عاطفية وتعويضية تجاهها، بدلاً من جدته الحقيقية التي لن يعثر عليها أبداً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا