• الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439هـ - 26 فبراير 2018م

عن الحزن : يتبعك مترصداً كمكيدة ملغزة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 فبراير 2018

صالحة عبيد

لا تعرف متى على وجه التحديد كانت المرة الأولى التي اختبرت فيها ذلك الشعور الصاعق بالحزن.. ربما لأن الأمر في ضمنيته يتجاوزك.. هو أكبر منك وأعمق.. وهذا الجسد.. جسد هزالك البشري آخذٌ بالتصدع وهو يتفصد عن مساماتك بضراوة، وفي كل مرة.. تكاد أن تمسك باللفظة الملائمة لكنك تفشل.. وهو هنا.. في هذا الموضع البائس تحديدا ليس فشلك وحدك.. هو امتداد قرون طويلة من المتواليات المأساوية.. التي تكملها أنت.. لكنه يراوغك حتى يخيل لك في لحظة بطولة زائفة.. أنك قد تكون الأخير.. وأنك أيها المصلوب في ألفية العالم الثالثة دون أن تراق منك أي قطرة دم.. قد تنجح أخيرا في إفساد تلك الدائرة.. أن تبترها.. جسدك يتفتت وتغني.. روحك تُسحق وأنت تنشد الترنيمة.. لعلك تمد بذلك جسر القيامة لمن بعدك.. لكن من يأتي فيما يعقب احتراقك الملحمي الذي ظننت، لن يدرك منك إلا الرماد.. الذي لن يثير في الأمر شيئا.. إلا بدوره الذي يلاحظ بالكاد في استكماله لدائرة الأسى.. أنت لست سوى ذرة بالغة الضآلة تضع فاصلة بين الفصل والفصل، بين الحزن والآخر الذي لن يأتي جديدا أبدا، بل مثقلاً بكل أشكال العذابات المزمنة التي اختبرها كل من أتى على ذلك الشعور المر، كل من عاش ذات الخديعة، وهو لا يفهم كيف له أن يخرج منتصراً بعد هذا الاختبار الساحق الذي يتكرر باستمرارية ملغزة، يزاد ثقلها جرحاً وراء جرح دون وجه مجرد أو تفسير واضح يتناسب مع وصف الفاجعة.

جميعهم سبقوك.. كلهم

كانوا هناك قبلك

لعلها كانت اللحظة الاستثنائية الأولى.. أفكر وأنا أتأمل آدم في أبوته الأولى وحواء في أمومتها البكر وهما ينكفئان في حزنهما بكاءً على جثة هابيل الباردة.. اللحظة التي حاول استدراك طزاجتها «وليام بوغيرو».. وهو يوثق التصدع في لوحته «آدم وحواء يبكيان هابيل» الذي يأتي مجسدا الموت الأول في تاريخ البشرية ومعبرا من خلال الأبوين عن الحزن الأصيل، والصدمة البدائية المضنية، التي جعلت كل ألم نحسه بعدهما مستهلكا قطعا، لعل «بوغيرو» هنا أراد أن يقول للعالم بأنه أدرك السر، وبأنه ربما.. لو أعاد تشكيل المأساة.. لاستطاع تفكيكها لاحقا.. لاستطاع أن يظفر بالحزن قابضا على عنقه.. مستخلصا إياه ومتخلصا هو من قيده ليمرر من بعدها لنا المفتاح، لكن يغيب عن باله أنه قد أفلت العنصر الأهم دون أن يرسمه ممسكا به.. نسي « قابيل « وهو يجسد الخيبة التي جاءت بعد الدم.. الحزن المخضب بالخطيئة.. والسلطة الشهوانية المحملة بالندم أيضا، تلك التي ولدتها قبضة السلب الأولى لروح إنسان آخر.. «قابيل» يستمر كعنصر بقي يتدحرج في ذاكرتنا الجمعية وهو يكبر مثل كرة الثلج الساحقة.. لتجعل الحزن عصيا دائما على التفسير مهما توضحت أسبابه.. متناقضا.. رحيما وضاريا.. سالبا ومسلوبا.. مرئيا وغائبا، يأتيك برجفته الباردة لتظن أنه أنك تمنحه السكنى إلى حين، فإذا به يجعلك مع الوقت تسكنه.. هو الذي أضحى سجنك العظيم.. سالبك المر.

«بوغيرو» الذي اختبر في مرحلة لاحقه بعد سنوات طويلة من إنجازه لتلك اللوحة.. وفاة أربعة من أبنائه بالتتابع.. يشعر بذات الطعنة النافذة التي شعر بها آدم.. تأتي مضاعفة هذه المرة وهي محملة بعذابات الفقد عبر الزمن.. لربما ود في ذلك الأوان لو أنه لا يضع يده على على موضع قلبه كما يفعل آدم الكوني في اللوحة بل لو أنه يتجاوز ذلك لينتزع القلب، ليضعه أمامه مفتشا عن تلك اللسعة.. لعل فيها الأمر كله.. لعل الحزن يبدأ من هناك وبانتزاعه وتجريده من كل إبهامه.. ينتهي.. يتلاشى.

كلاهما بلا وجه.. وهما كل الوجوه ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا