• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م
  11:20    وكالة الأنباء الكويتية: أمير البلاد يغادر المستشفى بعد فحوص طبية ناجحة    

عالمة الاجتماع الفرنسية دانيال هرفيه ليجيه

تحولات أوروبا الدينية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2017

ترجمة وإعداد: عز الدين عناية

ثمة توصيفٌ دقيقٌ يجري على ألسنة الناس في أوروبا عند التطرّق لأوضاع الدين والتديّن، فحواه أن «الميادين عامرة والكنائس خاوية». يدعم ذلك التوصيف «التقرير الإحصائي للكنيسة الكاثوليكية»، الصادر خلال العام المنقضي. إذ برغم أن الكنيسة الكاثوليكية أقوى مؤسسة دينية على النطاق العالمي من حيث امتلاك الكوادر والخبرات والقدرات، فإنّ ذلك لا يخفي ما يعتري هذه القوة من تعكرات وما تعانيه من نزف في قطاعات عدة. فأوروبا، على سبيل المثال، تبقى الساحة الأقل ديناميكية ضمن الأوساط الكاثوليكية، حيث يتزايد الكاثوليك فيها بنسبة تقلّ عن 2 بالمئة، في وقت يشكّلون نسبة قدرها 40 بالمئة على مستوى عدد سكان القارة العام، ونسبة 23 بالمئة من مجموع كاثوليك العالم. وبالمثل ثمة تدحرجٌ لأوروبا كنموذج مرجعي، بوصفها مركز الدوران الذي يطوف حوله العالم الكاثوليكي، وتحوّل ذلك نحو أفريقيا وآسيا. فضاءات واسعة في أوروبا شهدت تراجعاً للمسيحية أو بالأحرى علْمنةً كاسحة، وعدد المنضمّين للكنيسة يتدحرج من سنة إلى أخرى، سواء بين الرهبان أو الراهبات بشكل ملحوظ. إذ الحالة على العموم تسير نحو الأسوأ، نظراً إلى أن الإكليروس فيها هو الأكثر تقدماً في السن ولا يجد خلفاً أوروبياً كافياً، في حين يشهد الانخراط في الكهانة تطوراً ملحوظاً في آسيا وأفريقيا. الفتور الذي تعانيه المؤسسات الدينية التقليدية وتراجع أعداد إكليروسها هو بمثابة النزيف الذي يصعب التحكم به. لفهم هذه التحولات الدينية التي تعيشها أوروبا، آثرنا عرض هذا الحوار لعالمة الاجتماع الفرنسية دانيال هرفيه ليجيه التي تُعدّ من أبرز المتابعين للشأن الديني الأوروبي (المترجم).

** الأستاذة دانيال هرفيه ليجيه، سبق وأن نشرتِ كتاباً بعنوان: «الكاثوليكية.. نهاية عالم»، هل المعني بذلك أفول المسيحية في أوروبا؟

* يعالج الكتاب قضايا الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا تحديداً. فقد حصلتْ تأثيرات عميقة في المجتمع الفرنسي بفعل الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. ولا يمكن فهم اللائكية الفرنسية دون تمعّن في الكاثوليكية أيضاً. كل ما أردتُ توضيحه تحديداً في هذا الكتاب، هو هذه الخلفية الكاثوليكية للثقافة، حتى وإن كانت تلك الثقافة لائكية يتقاسمها السواد الأعظم من الفرنسيين، مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، فإن ما نلاحظه أن تلك الخلفية الثقافية الكاثوليكية بصدد التبخّر. وهو ما يمكن تفسيره بنهاية سياسة الهيمنة الدينية على المجتمعات واندحار الثقافة الكاثوليكية. بالمثل أردتُ تناول ما أطلقت عليه في الحالة الفرنسية «الخروج الثقافي للدين». في الأثناء أجدني مدفوعة دفعاً للتطرّق إلى نضوب المعين اللوثري في المجتمعات الإسكندنافية والألمانية وأخرى شبيهة، فحالة «اندحار المسيحية» قد مسّت أوروبا بأسرها تقريباً.

** هل لديك تفسير لهذا الاستثناء الأوروبي، في ظرف تحوّلت فيه القارة العتيقة إلى جزيرة يتراجع منها الدين وسط عالم تطبعه العولمة الدينية؟

* الحدث على صلة بتاريخ الحداثة الأوروبية. كانت الأوضاع خلالها محكومة بانتزاع استقلالية السياسي من هيمنة الوصاية الدينية. والحداثة التي تشكّلت في أوروبا أتت في ظلّ تنصّل من المرجعية الدينية. والاختلاف الحاصل بين أميركا الشمالية والقارة الأوروبية متأت ضمن هذا السياق. لقد تأسّست الديمقراطية الأميركية على عاتق أناس مهاجرين فروا من جحيم القارة العتيقة توقياً للانتهاكات الدينية، ولذلك كانت الديمقراطية الأميركية حريصة على ضمان الحرية الدينية. في حين ما حصل في أوروبا، من اكتساب للحرية، ترافق بتصادم مع ممثلي الدين. هذا التاريخ له وطأة كبيرة على الجانبين. وهذا يعيدنا إلى السؤال المحوري ما هو مفهوم الأنوار؟ الذي تأتي الإجابة عنه لدى إيمانويل كانط بالحديث عن الفصل بين المجال العمومي والمجال الخاص، مدرِجاً الدين ضمن المجال الثاني. لا تعني مطلقاً هذه الخصخصة للدين -بوصفه شأناً متعلقاً بالفرد وعلى صلة بما هو شخصي- نهاية الدين، ولكن إزاحته بشكل ما عن تولي مهمة تنظيم الشأن الاجتماعي.

المرْكَبة الحاملة للحداثة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا