• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

رواية هانز فالادا «وحيداً في برلين»

عن الحياة السرية والموت العلني

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 12 ديسمبر 2015

إعداد: أحمد عثمان

في روايته «وحيداً في برلين» للروائي الألماني هانز فالادا (1893 - 1947)، الصادرة مؤخراً عن مطبوعات «دونويل/ فوليو» باريس، من ترجمة لورانس كورتوا عن الألمانية، يوجه التحية لآنا وأوتو كانغل اللذين عارضا هتلر وحربه المستعرة.

مايو 1940، في اللحظة التي تحتفل ألمانيا فيها بالاستيلاء على العاصمة الفرنسية، باريس، تلقى آل كانغل، آنا وأوتو، العاملان المتواضعان، المقتصدان والحذران، وقد كانا في الخمسينيات من عمريهما، خبر وفاة ابنهما الوحيد من أجل الوطن. في هذه اللحظة، تنطق الأم المكلومة بهذه الجملة التي تصدم زوجها كثيراً: «هو ذا ما فعلتماه، أنت وفوهررك بحربكما القذرة!».

يتمثل أحد أهم العناصر الوثيقة الصلة بالموضوع في أن قبل وفاة ابنهما آل كانغل، من مناصري الحزب الوطني الاشتراكي، النازي، منح النجار العاطل عن العمل وامرأته صوتيهما في عام 1933 لهتلر، وقد تمنيا أن يجد أوتو وظيفة كرئيس عمال في أحد مصانع الأثاث، بفضل سياسة التصنيع التي انتهجها الديكتاتور النازي، بيد أن موت الابن وجملة آنا: «أنت وفوهررك» التي ترن في رأس أوتو سوف يغيران كل شيء. هذا الرجل البسيط ومتواضع الموهبة يقرر بمشاركة زوجه أن يحررا كل أسبوع بطاقة أو بطاقتين، ويضعها بمفرده في صناديق خطابات البنايات البرلينية. في البطاقة الأولى، كتبا بكلمات كبيرة: «أيتها الأم! لقد اغتال الفوهرر ابني! الفوهرر سوف يغتال أبناءك، لن يتوقف، حتى وإنْ جلب الحداد إلى كل بيت على هذه الأرض». كانا يعرفان أنهما يخاطران بحياتهما ولكنهما أملا أن يكونا نموذجين لمعارضين آخرين يقبعون في الظل، ويتخيلان أن كل بطاقة يرسلانها تنتقل من يد إلى أخرى... ولكن الحقيقة شيء آخر.

مع هذه الحكاية الحقيقية عن البطاقات، تبين الرواية تفصيلياً الحذر المشترك الذي يسيطر على ألمانيا في هذه المرحلة. الوشاية، تعني الحكم على أي أحد بالموت أو الذهاب إلى معسكر اعتقال، أي المجازفة بفقدان الحياة. ولكي تبين الرواية، مثل أي دراسة سوسيولوجية، مناخ الخوف الذي يلمس طبقات المجتمع كافة، تصور فالاد بعض الحكايات المتوازية بالاقتراب من شخصيات ثانوية قطنت الحي نفسه، بالقرب من بيت آل كانغل: السيدة روزنتال، عجوز يهودية مذعورة، بالادور برسيك، نازي متحمس يبلغ الخامسة عشر من عمره، عضو في الشبيبة الهتلرية، وارنو، شخص جذاب متسامح، كسول ولا يهتم إلا بسباقات الخيول. كل هؤلاء الأشخاص يقيمون بالمصادفة قريباً من آل كانغل وتحت أنظار الغستابو الذي يحقق في مسألة البطاقات. أثر المنشورات/ البطاقات يتحدد بالشعور بالخوف الذي دفع كل شخص يتوصل بها إلى تسليمها للشرطة.

المدينة الجذابة ذات الألف وجه تعتبر البطلة بلا منازع في هذه الرواية التي تحمل مظهر الرواية البوليسية. «وحيداً في برلين»، تمكن من الغوص إلى داخل هذه السنوات المعتمة في تاريخها والتي سوف تظل توسمها طويلاً.

ينتمي هانز فالادا إلى التيار الأدبي «الواقعية الجديدة» Neue Sachlichkeit. وهكذا، مرتكناً إلى لغة بسيطة، رزينة وبلا محسنات بلاغية، يحكي الواقع اليومي المعاش لهؤلاء البرلينيين الذين يمتلكون مهارة تجاوز الأوضاع غير المقبولة والذين ينزعون إلى الحياة وفي دواخلهم يقبع القلق والخوف. تارة يبدأ الراوي قي التعليق باختصار وبشيء من السخرية على أفعال الشخصيات ونتائجها، وتارة أخرى ينقل بطريقة الخطاب غير المباشر الحر أفكارهم.

بسرد حكاية الزوجين البرلينيين البسيطين الذين عارضا النظام النازي بحركة كتابية بسيطة، تقرأ رواية هانز فالا الأخيرة كما استعارة عن الأدب الملتزم.

مع الحرف كسلاح وحيد، فإن آنا وأوتو هامبل الحقيقيين وقفا ضد هتلر، وعارضاه في أوج مجده، خلال 1940 و1942، قبل أن يبدأ البحث المستعر وإلقاء القبض عليهما وإعدامهما. اليوم، في حي فيدنغ، هناك يافطة تخلد ذكراهما، إلا أن أكبر تحية لهما كانت تلك الرواية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا