• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

لعنة ثاني أوكسيد الكربون تلاحق السيارات الألمانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 مايو 2007

إعداد - عدنان عضيمة:

عندما كان الخبراء اليابانيون يعملون بكل جدّ منذ أكثر من عشر سنوات لابتداع المحركات الأقل استهلاكاً للوقود وتلويثاً للبيئة، كان الخبراء الأوروبيون والأميركيون يركزون اهتماماتهم في منحى آخر يتعلق ببناء محركات أكثر قوة وقدرة على الأداء من دون النظر إلى أي شيء آخر. والآن، بعد صدور التقارير المتلاحقة عن تردّي الأوضاع المتعلقة ببيئة الأرض واقتراب المواعيد المحددة للعمل بقوانين وتشريعات الحد من تلوث الهواء، يبدو أن اليابانيين عرفوا كيفية استقراء المستقبل قبل الأوان. ويمكن القول إنهم كانوا يتنبأون بحلول عصر لا تكون فيه الغلبة في أسواق السيارات إلا لتلك التي لا تستهلك إلا القليل من الوقود. وتمكن الخبراء اليابانيون من ابتداع أنظمة فعّالة لتخفيض استهلاك الوقود من أهمها نظام (البخ الإلكتروني للوقود) Electronic Fuel Injection الذي يتألف من مجسّ ذكي يتصل بكمبيوتر مركزي ويمكنه تحديد أقل مقدار من البنزين ينبغي بخّه في الأسطوانات بحسب الحاجة الحقيقية للسيارة من الطاقة الميكانيكية. ويضمن هذا النظام الذي أضيف إلى كافة سيارات تويوتا ولكزس، توفير نسبة مهمة من الوقود الذي كان يستهلك بلا طائل في السيارات.

وهكذا، بات من الطبيعي أن تجد السيارات اليابانية الفرصة السانحة لاكتساح الأسواق الأميركية والأوروبية للدرجة التي أثارت حفيظة أصحاب القرار هناك وجعلت كبار صنّاع السيارات يدخلون مرحلة عضّ الأصابع.

وحول هذه القضية، نشرت ''فاينانشيال تايمز'' تقريراً مطولاً بقلم المحللين جون ريد وريتشارد ميلن أشارا فيه إلى أن في وسع الألمان منافسة اليابانيين في تخفيض معدلات إطلاق العوادم الغازية الضارة من السيارات بشرط أن يعقدوا العزم على خوض هذه المعركة التنافسية. ويشير التقرير إلى أهمية الموقف الذي اتخذته ريناته كوناست وزيرة البيئة الألمانية السابقة رئيسة حزب الخضر في ألمانيا في الوقت الراهن من هذه القضية حيث تمارس ضغطاً كبيراً على شركات صناعة السيارات الألمانية من خلال دعوة المستهلكين الألمان ذاتهم إلى شراء السيارات اليابانية الصديقة للبيئة حتى يضطر أرباب هذه الصناعة لتركيز بحوثهم على ابتداع سيارات تتفوق على السيارات اليابانية من حيث مستوى صداقتها مع البيئة. وقالت في هذا الصدد: (لو حدث هذا أتوقع أن تجد صناعة السيارات الألمانية نفسها في النهاية وهي تصنع السيارات الحقيقية التي تناسب العصر الراهن. وإذا امتنعت عن فعل ذلك، فما من شك في أن الألمان سوف يتسابقون لشراء السيارة الهجين اليابانية الشهيرة تويوتا بريوس التي لا تتوقف عن التطور أبداً. وعندئذ سوف يجد الألمان أنفسهم مجبرين على إغلاق مصانع سياراتهم كلها مثلما يحدث الآن في الولايات المتحدة).

التخلي عن المواقع

يزعم الألمان الآن أن أحدث ما ابتدعوه من السيارات المجهزة بمحركات الديزل النظيفة تعد من أكثر أنواع السيارات صداقة مع البيئة على المستوى العالمي من دون منازع. وهذه السيارات أكثر صداقة مع البيئة من السيارات الهجين اليابانية كلها بما فيها تويوتا بريوس التي تستخدم المحرك الكهربائي لفترة مؤقتة فقط وتعتمد أكثر على محرك الانفجار الداخلي. ويبدو أن التحولات الكبرى والمتسارعة التي تشهدها أسواق السيارات العالمية لا تعمل لصالح صنّاع السيارات الألمان. وفيما بدأت شركات ديملر كرايسلر وفولكس فاجن وبي إم دبليو بإنتاج مجموعة من أكثر السيارات نظافة وصداقة مع البيئة، إلا أنهم بدأوا يخسرون المعركة التكنولوجية لصالح شركة تويوتا حتى في عقر دارهم. وتفتخر شركة فولكس فاجن أن سيارتها الديزل (بولو بلوموشن) تطلق 102 جرام من غاز ثاني أوكسيد الكربون في كل كيلومتر؛ وهو مقدار أقل من الذي تطلقه تويوتا بريوس. وهناك المزيد من مثل هذه الانتصارات التكنولوجية التي أصبحت تفتخر بها أوروبا دون أن تجد الصدى المطلوب في الأسواق أو على المستوى الشعبي؛ ومنها مثلاً سيارة ديملر كرايسلر (مرسيدس-بنز إي320 بلوتيك) التي يمكنها أن تقطع بمحركها الديزل 1100 كيلومتر قبل أن تحتاج إلى إعادة تعبئة خزانها. وخلال شهر أبريل الماضي، فازت بجائزة (السيارة الأكثر اخضراراً لعام 2007) ضمن فعاليات معرض نيويورك الدولي للسيارات فيما احتلت كل من السيارتين (بي إم دبليو هيدروجين7) و(فولكس فاجن بلوموشن) أعلى المراتب في السلم التصنيفي لهذه الجائزة.

وبالرغم من أن تويوتا حظيت بالكثير من اهتمامات الصحافة بسبب انخفاض معدل الغازات الضارة المنبعثة من سياراتها الهجين إلا أن مبيعاتها من هذه الفئة للعام الماضي كانت ضعيفة للغاية ولم تتجاوز نسبة 3,5% من الحجم الكلي لمبيعاتها؛ ثم إن أسطولها من السيارات الهجين يطلق من غاز ثاني أوكسيد الكربون أكثر مما تطلق سيارات فولكس فاجن. ويضاف لكل ذلك أن السيارات الهجين تنطوي على الكثير من الخصائص السلبية ومنها أن بطارياتها الكهربائية ذات تكلفة عالية ولها تأثيراتها النهائية الضارة بالبيئة أيضاً. وتوحي مؤشرات الأسواق وتوجهات المستهلكين أنه لو بقيت الأمور تسير على نفس المنوال الذي تسير عليه الآن، فسوف يؤدي ذلك إلى خسارة كبيرة لصنّاع السيارات الألمان الذين سيفقدون المزيد من زبائنهم حول العالم بالرغم مما حققوه حتى الآن من إنجازات في إطار مصادقة البيئة. ولا شك أن هذه الحالة المعقدة من الاضطراب التي توجد عليها صناعة السيارات الألمانية، تكون قد أصابت الشركات المعنية بصداع أليم. ولا بد من مرور وقت طويل حتى يتضح بالفعل من هو الرابح والخاسر من هذه الحملة الشعبية والرسمية الواسعة لتصحيح العلاقة المعقدة بين السيارات والبيئة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال