• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

نرى الآن كيف تفيض أزمات المنطقة العربية، بمخرجات قمقمها المقلقة من عنف وهجرة وعدم استقرار، على أوروبا بحكم الواقع والقرب والجوار.

العرب والغرب.. الجوار الصعب!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 04 ديسمبر 2015

ينطلق المؤلف الفرنسي جان- بيير فيليو في كتابه: «العرب.. مصيرهم ومصيرنا»، من زاوية نظرة للعرب مستندة إلى تاريخ ممتد لأكثر من قرنين من الترابط الشديد، في المسار والمصير، بين فرنسا وأوروبا بصفة عامة والعالم العربي. وهو في كل ذلك ينطلق من فرضيات عمل متجهة ومقاربة تاريخية وفكرية متماسكة وغير مرتهنة للاستسهال والارتجال واجترار الأحكام المسبقة والصور النمطية، على عكس كثير من المؤلفات الصحفية والوصفية الأخرى التي صدرت في الغرب خلال السنوات الأخيرة عن العرب وأزماتهم المزمنة، وخاصة بعد نشوب ما سمي «الربيع العربي»، وما تكشّف عنه من صراعات دامية وأزمات طاحنة، وتدخلات دولية في بعض الدول العربية غير المستقرة. ولعل ما يزيد قيمة هذا الكتاب أيضاً أن لمؤلفه أعمالاً عديدة سابقة عن المنطقة العربية، التي يعد أحد أفضل الأكاديميين الفرنسيين في الدراسات المتعلقة بها، وقد سبق له التدريس في جامعتي كولومبيا وجورج تاون الأميركيين، كما ترجمت بعض كتبه لأكثر من اثنتي عشرة لغة عالمية.

وبدلاً من الغوص في تعقيدات المشهد العربي الراهن يعود المؤلف مع الزمن قرنين إلى الوراء مؤرخاً لبداية النهضة العربية الحديثة بالتزامن مع لحظة الالتقاء الصعبة مع الغرب من خلال حملة نابليون على مصر في عام 1798 حيث بدأت لحظة الانبهار العربي يومذاك بما حققه الغرب من إنجازات في مجال العلم والصناعة، مع السعي للإقلاع بالواقع العربي، ضمن مخاضات شاقة وطويلة شهدها القرن التاسع عشر مع رواد عصر النهضة العربية، وصولاً إلى القرن العشرين حيث وقع الالتقاء الثاني الأطول والأكثر مباشرة مع الغرب، في عهد الاستعمار الذي امتد لعقود حتى عهد الاستقلالات وظهور الدول الوطنية العربية، وفق ما عرف بخريطة سايكس- بيكو. ومنذ ذلك التاريخ بدأت ملامح العالم العربي تأخذ شكلها كما نعرفها اليوم، مع كل ما طرأ بسبب ذلك، أو بعده مع الزمن من تحولات وانكسارات وصراعات وحروب داخلية وخارجية، لم تتح للعرب فرصة التقاط الأنفاس إلا نادراً.

ويمضي الكاتب في بيان بعض ملامح الهوية العربية الثقافية والحضارية الجامعة، مع التمييز بين خصوصيات تجارب بعض الدول الوطنية العربية، والتفاوت فيما سجلته خلال العقود الماضية من نجاحات أو إخفاقات في المجالات التنموية، وصولاً إلى تفكيك خلفيات بعض العُقد وبؤر التوتر المزمنة في المنطقة، وعلى رأسها الصراع العربي الصهيوني، وما ترتب عليه من استنزاف للجهد العربي خلال العقود الماضية، وكذلك التدخلات الخارجية في المنطقة التي كانت في كثير من الأحيان عامل توتير وتصعيد بدلاً من أن تكون عاملاً جالباً للاستقرار الذي هو شرط لكل تنمية إنسانية أو سياسية، وضرورة لكل نماء وازدهار.

وفي الأخير، يؤكد الكاتب أن مصير المنطقة مثلما كان مرتبطاً مع مصير الضفة الأخرى من المتوسط طيلة العقود بل القرون الماضية، سيبقى كذلك أيضاً، حيث نرى الآن كيف تفيض أزمات المنطقة العربية، بمخرجات قمقمها المقلقة من عنف وهجرة وعدم استقرار، على أوروبا بحكم الواقع وأيضاً بحكم موقع الجغرافيا ومنطق القرب والجوار.

حسن ولد المختار

الكتاب: العرب.. مصيرهم ومصيرنا ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا