• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

هلْ هُو المنْفَى؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 ديسمبر 2015

لو قمنا بوضع حصيلة لما بقيَ مما أنجزه العرب، في القرنيْن الأخيريْن، لكانت ثقافة الفرديات هي خلاصةُ الحصيلة. كل ما عداها هبَاء. هذا ما أجبت به صديقاً، ونحن ننظرُ في مأساة زمننا. لا شك أن المثقفين النقديين، في أكثر من جهة في العالم، منغمرون في إحصاء حصيلة أوضاع السياسة والمجتمع والثقافة في بلدانهم. ولن أبالغ إن قلت بأن لغة اليأس من مصير العالم، هي كلمتهم الأولى. مع ذلك فإن ما أصبحْنا نعيشه، عربياً، يتجاوز حدَّ اليأس لدى غير العرب، في كل من الغرب والشرق الآسيوي. لقد أقمنا الجنائز تلو الجنائز. ولم يعدْ يلوح في الأفق سوى المزيد من الجنائز. أقولها بهدوء، فيما صديقي يتعجّب من هدوئي، ويلومني عليه. عيناه كابيتان، وفي صوته شجن المحزُون الذي أصبحت الكآبة جلده الثاني.

تكلمني نفسي وأكلّمها، كأنما هي آخَري الذي يُجادلني. لم تعد هذه الحالة استثناء. أتأمل زمناً، وأتأمل مصيراً. لا كلمات لي. ما المشكلُ في أن نكون اليوم، في حالة احتضار؟ وما المشكل إن نحن صرّحنا به؟ أصمت، ثم أنصرف للبحث عن علبة دواء لعلي أنشغل بشيء يبعدني عن الاستغراق في التأمل. أنشغلُ ببحث رديف للهو والعبَث. وفي اللحظة غير المنتظرة تعود الحالة. لقائي بالكاتب الصديق، الذي جالسته وتبادلت معه الحديث، تمَّ صدفة. لأن الكتاب والمثقفين لم يعودوا يلتقون فيما بينهم. قد يتبادلون تحية عابرة في تقاطع الطرقات، وقد يتمسّكون بالعداوة بينهم. وتظل الأخبار، والتعاليق على الأخبار، هي ما يسود الحياة اليومية.

لن أوضّح ما المقصود من الأخبار. كل واحد يعرف ما يخبرنا به الإعلام عبر الهواتف الذكية، قبل نشرات الأخبار في القنوات الإذاعية والتلفزية. تطاردك الأخبار وأنت في السوق، وأنت تنتظر دورك لدى حلاق، أو تستعد لركوب حافلة أو قطار. الأخبار. وبعدها (أو قبلها) البرامج الدينية، بلغات عربية وأجنبية. هذا هو الطوق الذي يحيط بالعرب اليوم. وفي القنوات الليبرالية مسلسلاتُ الغرام والجريمة تلهث وراء بعضها بعضاً، ومزيدٌ من الأغاني، حتى تتهيّأ، أيها المشاهد الكريم، لترويج السلع والمنتجات الاستهلاكية. يمكن أن تقضي يوماً كاملاً وأنت تنتقل من جنازة إلى جنازة، أو تعبُر من وهْم إلى وهْم.

2

ليس جميع العرب سلبيّين إلى هذا الحد، تجاه ما يحدث. هناك وهنا تعبيرات جماعية عن رفض هذا الذي يحدث، باسمنا وعلى أرضنا. رفضٌ تنقله وسائل الاتصال الاجتماعي على نحو مباشر. تجمعات بشرية بأعلام ولافتات وأبواق. رفض بصيغة أخرى في كتابات وأعمال فنية، نتعرف عليه في صحف، في معارض كتب، في أنشطة تعلن عن نفسها بين الحين والآخر. وفي تتبّع رفض كهذا نستنشقُ هواء الحرية الذي يغمر الصدر. هواءٌ ما نتشبث به، في أرض وأرض عربية.

هذا الرفض الاجتماعي أو الثقافي، الصادر عن المجتمع المدني أو عن فرديات، يخترق الدروب الضيقة التي تكاد تكون بلا مخرج. رفض يعْبر الطرق إلى أن يقف عند الجدار، جدار السلطة أو جدار المجتمع. هو رفض نبيل، جريء، متوقد. وهو، في الآن ذاته، رفض الضعفاء، الذين لا يملكون ما يسمح لهم باختراق الجدار أو يساعدهم عليه. ومهما كان ضعف هؤلاء الضعفاء فإن بذرة الرفض، التي يريدون لها أن تبقى متقدة في النفوس، هي منبعُ الهواء الذي نتنفسه في المسيرات الجنائزية. منبع سريٌّ لا يظهر للذين يعبرون الطرق الكبرى للإعلام. من شقوق غائرة يخرج، صافياً، نقياً، منعشاً. هواء في صباح اليأس المتكرر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف