• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

حفّار قبر الشهيد علِّ بابه.. يهبهب الغربي على سردابه

أحياء في النَّص

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

ليس أكثر ولا أهم من الأسئلة التي يصدع بها الشهيد والشهادة الروائية العربية، كأسئلة الحياة، والموت، والوطن، والقضية.. وعلى المستوى الفني تتوالى أسئلة التأرخة والوثائقية، والتسجيلية، والسيرة الغيرية، والملحمية، والأسطرة.. وبكل ذلك، كبرت وتنوعت المدونة الروائية العربية المتعلقة بالشهيد والشهادة.

فلتكن البداية مع شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ، في هذا الجزء من ثلاثيته (بين القصرين)، حيث عاد إلى ثورة 1919 والمظاهرات السلمية ضد الإنكليز، والتي قضى في واحد منها الطالب فهمي، فتفجر سؤال الأب أحمد عبد الجواد (سي السيد): كيف أكون أباً من بعده؟ ومن أين للكلام أن يطفئ النار؟ وحين يبلغه زملاء ابنه بالنبأ المزلزل، وبأن الشهيد سيشيع مع ثلاثة عشر من إخوانه في احتفال شعبي من القصر العيني، ترى الأب يهتف في جزع: ألا يُترك لي تشييع جنازته من بيته، لكن من حمل النبأ يرد بحزم وبرجاء: لا يليق تشييع فهمي في جنازة عادية كمن قضوا في بيوتهم.

وما دمنا في مصر فلنمضِ إلى حربها الكبرى في أكتوبر 1973، وإلى الروائي الذي عمل مراسلاً حربياً لسنوات، أعني جمال الغيطاني الذي أوقف روايته (الرفاعي) على أحد قادة وشهداء تلك الحرب، وحملت الرواية اسمه. وربما كانت الأسطرة هي السمة الغالبة على التخييل الروائي للشهيد في هذه الرواية. ففي يوم استشهاده، ظلله الحزن، وزاد جرحى دانة الدبابة التي سقطت في قلب المجموعة الثالثة، ولفّه صمت غريب. حتى إذا استشهد بنفاد شظية إلى قلبه، قالوا إنه لم يتألم، وإن ابتسامته كانت تولد من قلب الموت كما تنمو الزهور فوق المقابر. وعندما رآه عبد المؤمن (من جنوده) بكاه صارخاً: كالقمر. أما أبو الفضل – من جنوده أيضاً – فسوف يقيم لقائده ضريحاً من الكلمات ومزاراً، وبحسبانه، سيجيء الرفاعي في كل لحظة من عمر هذه الدنيا، وسيظهر في الجهات الأربع، وسيسري إلى الكل، وعندئذ سيمضون إليه. ولأنه الرفاعي فإن وسام – من جنوده - يثور على الصحفي الذي ينوي أن يعد حلقات إذاعية عن الشهيد، ويتساءل وسام: ماذا يريدون أن يفعلوا بالرفاعي؟ حلقات إذاعية؟ رواية؟ قصة؟ فيلم سينمائي؟ هل يتسع أحد هذه الأشياء للرفاعي؟ ويعزم وسام أن يصيح بمن قد يتصل به من أجل ذلك: «يا لصوص كنوز المقابر.. اتركوني واتركوا الرفاعي في حاله» فهو لا يود رؤية نابشي السيرة من الفضوليين والمتطفلين.

يترجح نسب رواية (الرفاعي) بين الوثائقية، والسيرة الغيرية، والأسطرة. أما رواية محمود الورداني (نوبة رجوع) فتكاد تكتفي بالوثائقية وهي تشي بالسيرة الذاتية مما كتبت عن حرب 1973 في مصر. لكن هذه الرواية ستعنى بالبيروقراطية، وبالطائفية، بينما تكتب عن الشهادة والشهيد.

ففي فصل (نوبة شهيد) تأتي المكاتبات الرسمية لاستلام جثمان العريف ثروت محروس المجهول الهوية، وحيث تسأل البيروقراطية على لسان العقيد: من أين أعرف أن الولد استشهد إذا لم تكن شهادة الاستشهاد من وحدة (الولد) العسكرية، موجودة؟ ويترتب على ذلك أنه لا يمكن دفن الشهيد بلا شهادة الاستشهاد. وبعد الخروج من المأزق البيروقراطي تأتي المشرحة والشهيد كجثة أمام أبويه، ورائحة الفورمالين القاسية، والكفن الأبيض، وقطعة القطن وثقوب الرصاص، وأخيراً موافقة سعادة البك العقيد على لف الكفن بالعلم، وتوصيته بالربط حتى لا ينزلق، إذ سينقل الشهيد بلا صندوق، ولكن لابد من صندوق، فالشهيد مسيحي والصندوق لا يعاد، لكنه (عهدة) فمن سيوقع على تسليمه، ومن سيقرر أنه استهلك كي لا يعاد؟

في العربة التي تنقل الشهيد يروح جثمانه ويجيء مع الالتفاف السريع ومع الارتطام بالمطبات، بينما يندفع الهواء من النافذة، والشهيد راقد عند أقدام مرافقيه، والراوي يخشى أن تصدم الارتطامات قدمه بقدم الشهيد المنسربة من الكفن، عارية وداكنة وملساء. أما في المقبرة فتنبثق ألواح الرخام بيضاء في الظلام. وإذا لم يكن تبيّنُ النقوش ممكناً، فالراوي يحدس أنها أسماء شهداء من حروب ماضية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف