• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

دماء الشهداء هي بذار الكنيسة الأولى

الموت حُبّاً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

من بين الكلمات التي شكلت اللبنات الأولى للفكر المسيحي، لا سيما في القرون الأربعة الأولى لظهور المسيحية، تحتل كلمتا «شهيد»، و«استشهاد»، مكانة متقدمة للغاية، إلى الدرجة التي دعت أحد قديسي المسيحية الأوائل «ترتليانوس»، لأن يطلق عبارته الشهيرة: «دماء الشهداء هي بذار الكنيسة الأولى»، على أن أمر الشهادة في المسيحية، يختلف في فهمه ومعناه ومبناه عن الاستشهاد والجهاد في الأديان الأخرى، إذ يكتسب معنى روحياً، أكثر مما هو مادي، والفكر المسيحي ينظر للشهداء فكرة تبجيل وتقديس، انطلاقاً من معان ومبان روحية سماوية، تصل بين الأرض والسماء.

يستدعي الحديث عن الاستشهاد في المسيحية طرح عدة تساؤلات أولية عن فكر الاستشهاد وهل له علاقة بطروحات الجهاد؟، وكذلك عن تاريخ الاضطهادات التي لاقاها المسيحيون الأوائل والتي جعلت المسيحين لاحقاً يضعون الشهداء في مرتبة الأولياء الصالحين، وقبل أي أحد في الكرامة؟ ويستلزم الأمر كذلك التوقف عند فترات تاريخية من الفكر الاستشهادي المغشوش الذي ساد بعض أرجاء العالم المسيحي كما في زمن الحرب الصليبية، وصولاً إلى القرن العشرين والرؤية المعاصرة للشهادة والاستشهاد. وليلاحظ القارئ المحقق والمدقق أننا نتناول الأمر بعين ورؤية مسيحيتين، حتى لا يدهش من المفاهيم والمصطلحات التي قد تواجهه في هذه القراءة.

تتمحور المسيحية ورسالتها في كلمة واحدة هي: «المحبة»، تلك التي تقود تابعيها إلى حياة البذل والعطاء، إنها المحبة التي تستهين بكل شيء من أجل غرض أسمى وأرفع، المحبة التي تتخطى كل الصعاب، وتصبر على كل الضيقات. هنا فإن التضحية بالذات، في سبيل الإيمان المسيحي، ميزت المسيحيين الأوائل الذين حافظوا على إيمانهم عن طريق البذل الكلي للنفس والجسد، وهكذا أضحى الألم متعة روحية يرتشفها المؤمن سعيداً راضياً، ويسعى إليها جاهداً عن حب، بل ويسأل الله مصلياً يتعجلها... ولا عجب، فقد تحول الموت من شيء مرعب مخيف إلى صديق محبوب أليف. وإذا كانت المسيحية هي «الحب»، فالموت في سبيلها هو قمة الحب والبذل.

والجهاد في المسيحية يكتسي معنى روحياً وفلسفياً، فهو مقاومة للخطأ والخطيئة، من أجل الوصول إلى حالة السلام الداخلي الكامل مع الله والناس، إنه أقرب إلى جهاد المفاهيم الصوفية عند كافة صفوفها وفي كل الشرائع والنواميس السابقة.

«المارتيروس» المسيحي

جاءت لفظة «مارتيروس» التي تعد بمثابة الموروث الديني عند المسيحيين من أصل يوناني، ويقابلها في اللغة العربية لفظة «شهيد»، وقد استخدمت في أصلها اللغوي للتعبير عن إنسان لديه معلومات عن أحداث سابقة مستقاة عن طريق الاشتراك فيها، لكنه لا يحتفظ بهذه المعلومات لنفسه، بل يشهد بها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف