• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الإسلام: السّلم هو الأصل.. والقتال استثناء

الفناء إلى مداه الأقصى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

في هذا المقال نفترض مبدئيّا مثل جلّ المفسّرين وأسوة بالشائع بين المسلمين من أنّ مصطلح الشّهيد في الإسلام يحيل على من يُقتل في سبيل الله. ونريد أن نقيم مقالنا على قسمين. نبحث في القسم الأوّل عن الدّلالات الممكنة للموت في سبيل الله، ونبحث في القسم الثّاني عن أسس العلاقة اللّغويّة بين الدّالّ والمدلول بما يحيلنا على أبعاد الشّهادة الأنطولوجيّة فيوسّع دلالتها ويعمّقها.

يتواتر مصطلح «الشّهيد» لدى المسلمين بمعنى ذاك الّذي يموت في سبيل الله، وإذا عدنا إلى القرآن لوجدنا أنّ مصطلح الشّهيد يرد في القرآن مرّات كثيرة وفي سياقات متعدّدة، وقد ذهب جلّ المفسّرين إلى أنّه يفيد المعنى الاصطلاحيّ لمن يُقتل في سبيل الله مرّة في صيغة المفرد ومرّتين في صيغة الجمع. يقول الله سبحانه وتعالى: «...وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ...» (آل عمران 3,140)، ويقول: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» (النّساء4,69). ويقول: «وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنّبِيّيْنَ وَالشّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» (الزّمر39,69).

فأمّا الموضع الأوّل في آل عمران، فهو سياق حديث عن هزيمة المسلمين في غزوة أحد. وأمّا الموضعان الثّاني والثّالث فلا يجزمان بأنّ الشّهداء هم من ماتوا في سبيل الله فحسب، ومع ذلك نجد أغلب المفسّرين يشيرون إلى هذا المعنى ونجد المخيال الشّعبيّ يحتفظ به دون سواه.

ولعلّ جزم المفسّرين بأنّ دلالة الشّهيد في الآيتين المذكورتين هو من قُتل في سبيل الله مستندة إلى ورود مصطلح الشّهيد في حديثين بهذا المعنى، وذلك رغم أنّ الحديثين غريبين بمقاييس علماء الحديث. فقد نُقل أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام قال: «للشّهيد عند الله ستُّ خِصال: يغفر له في أوَّل دفعة، ويرى مقعده من الجنَّة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزَع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوقار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفَعُ في سبعين من أقاربه» أخرجه التّرمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: «ما يجدُ الشهيد من مسِّ القتل إلا كما يجدُ أحدكم من مسِّ القرصة» أخرجه الترمذي.

الموت في سبيل الله

يعرض القرآن مرّات كثيرة إلى القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى. وذلك بأشكال مختلفة. فنجد آيات وصفية لوقائع تاريخية دون تخصيص، شأن قوله سبحانه وتعالى فيما رأى المفسّرون أنّه يحيل على موسى وبعض قومه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ» (البقرة 2,243). ومن الآيات الوصفيّة ما يحدّد وقائع تاريخيّة على غرار قوله عزّ وجلّ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (النّساء4,77). وهذه الآية تحيل على قوم من أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) كانوا آمنوا به وصدّقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، فلما فرض عليهم القتال شقّ عليهم ذلك. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف