• السبت غرة صفر 1439هـ - 21 أكتوبر 2017م

بالأرقام.. الثقافة الأوروبية في مواجهة التحديات والمجهول

وقائع «موات» ماثل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 ديسمبر 2014

ومن البديهي ألا تتأثر جميع البلدان الأوروبية بهذه الأزمة الثقافية بالمستوى نفسه، فبلدان شمال أوروبا، التي تتمتع بنمو اقتصادي عال، وانخفاض بنسبة البطالة سجلت مؤشراً أعلى عند مواطنيها من حيث مزاولة ومتابعة الأنشطة، وتم قياسها بمعيار «مرتفع جداً» أو «عال»، ونسوق هنا بعض أمثلة هذه النسب: 46٪ من السويديين، 36٪ من الدنماركيين و34٪ من الهولنديين، في حين بالكاد 6٪ في البرتغال وقبرص، و5٪ في اليونان. حتى إيطاليا، التي تتمتع بتاريخ وتراث فريد من نوعه ثقافياً، لم تتجاوز هذه الدول الفقيرة كثيراً، حيث بلغت النسبة (8٪).

انكماش إسباني

في إسبانيا، فإن الحال أسوأ، ووفق آخر البيانات؛ في مجال الفنون المسرحية، تم تخفيض عدد العروض بنسبة 18.7٪، وتراجع عدد المشاهدين بنسبة 24.3٪، وانخفضت إيرادات مبيعات بطاقات الدخول للأنشطة الثقافية بنسبة 13.24٪. وفي الموسيقى، انخفضت الحفلات بنسبة 12.2٪، وقل عدد المشاهدين بمقدار 23.4٪ والإيرادات بنسبة 11.3٪. حيث انخفضت المبيعات بنسبة 41.6٪. وفي ميدان الفنون البصرية السمعية انخفض عدد المشاهدين بنسبة 9٪.

فإذا كان 35٪ من الأوروبيين يقول إنه لم يعد يذهب إلى المسرح وعروض الرقص والموسيقى لأسباب اقتصادية، فإن هذه النسبة تكون أعلى بكثير في بلدان جنوب أوروبا، ومنها إسبانيا، التي يبلغ معدل البطالة فيها (27٪)، وتقليص موظفي القطاع العام بنسبة 25٪ وزيادة الضرائب. علماً بأن كبريات الصحف لم تعد تصل إلى بيع مليون نسخة يومياً في بلد يقارب سكانه الخمسين مليون شخص. كما تم إغلاق وإفلاس الكثير من المنابر الإعلامية والقنوات التلفزيونية فأصبح أكثر من 12 ألف صحفي عاطلين عن العمل ويجهلون مستقبلهم. كما تراجعت حركة ترجمة الأعمال الأدبية والفنية بشكل لافت وهجرها أغلب المترجمين متحولين إلى العمل في ميادين أخرى تدر عليهم وارداً أفضل كالترجمات القانونية والتقنية في المحاكم والشركات وغيرها.

ما الذي يفعله المبدعون الآن؟

لا شك أن الاقتصاد والثقافة مرتبطان ببعضهما حد التلاحم كالروح والجسد، الثقافة هي الروح المحركة والاقتصاد هو الجسد (الذي يجسدها)، وهكذا نجد التباين في الثقافات بين بلدان غنية وأخرى فقيرة مثلاً، كما أنه لمن اليقيني بأن الثقافة والإبداع لايموتان أبداً طالما وجد الإنسان، لذا فهما يمتلكان القدرة على التكيف وتجديد نفسيهما وابتداع طرق سيرها كما يفعل الماء حتى لو سار في أرض صخرية، وهكذا صرنا نجد المبدعين يلجأون إلى طرق شتى لمواصلة إبداعهم، وأغلبها بلا دعم مؤسساتي وخارجة عن طائلة قوانين الضرائب، ومنها على سبيل المثال: إنشاء الكثير من دور النشر الصغيرة التي تكون مكاتبها مساكن الناشرين أنفسهم. أن تتم طباعة نسخ محددة، لاتتجاوز المائة أحياناً، من الديوان الشعري بصناعة يديوية ومرقمة وموقعة من الشاعر والرسام الذي يتعاون معه في تزيينها، بحيث تبدو كل نسخة وكأنها عمل فني مستقل بذاته. ثمة عودة لافتة لظاهرة المقاهي الثقافية، فإلى جانب تلك العريقة، صارت أغلب المقاهي العادية تخصص ولو يوماً واحداً في الأسبوع للنشاطات الثقافية كإقامة أمسية أدبية لقراءات شعرية أو تقديم كتاب أو جلسات نقاش ثقافي وأدبي، وفي بعضها صرنا نرى ولادة جماعات جديدة ودور نشر صغيرة ومجلات ومعارض تشكيلية وحتى عروض مسرحية. إقامة المهرجانات التي يكون فيها الجميع متطوعين. تزايد عدد التجمعات والورش الخاصة التي تعلم الفنون الإبداعية كالكتابة والرسم والموسيقى وغيرها للعاطلين. انتشار ظاهرة تبادل الكتب المستعملة. تقديم المعزوفات والرقص وعروض مسرحية في الشوارع والساحات والحدائق يقوم بها مسرحيون أغلقت أبواب المسارح في وجوههم، تاركين أمر المال لما يجود به المارة. إقامة المعارض التشكيلية في القرى والأرياف بدل الصالات الكبرى. تصوير وإنتاج أفلام سينمائية قصيرة بلا أية تكلفة تقريباً وعرضها عبر الانترنت وإقامة مهرجانات عالمية لهذا النوع من السينما. هذا ويبقى أكبر ميدان للجوء إليه لنشر الإبداع ومواصلة النبض الثقافي هو الميدان الإلكتروني الافتراضي، الإنترنت بكل ما يتيحه من وسائل اتصال وتواصل بلا ضفاف، حيث صار استخدام الكتاب الإلكتروني يزداد على حساب الورقي وكذلك الصحف والمجلات والمدونات ودور النشر وغيرها، لكن الفاعلين في ميدان النشر لازالوا يتساءلون فيما إذا كان هذا هو الحل الأنجح أم لا؟ وخاصة أنه صار يضر بسوق النتاج الثقافي من حيث المورد المالي والذي يفترض أن يكون رأس مال لمواصلة الانتاج وهكذا، فيما النشر الإلكتروني يعاني من القرصنة وانخفاض الأسعار إلى حد غير مضمون العواقب للمنتج.

المجلات الثقافيةثمة قول معروف مفاده بأن «الذي لا يتجدد يموت»، فإلى أي حد ينطبق هذا القول على كل محاولات الأجناس الثقافية للحفاظ على حياتها، ومنها المجلات الثقافية؟. ها نحن نراها تتراجع وتموت تباعاً بعد أن كانت منابر قوية في كل ثقافات العالم، وكم من مجلة نذكرها قد كان مجرد النشر فيها يعد اعترافاً بصاحب المنشور ككاتب أو كصحفي، وكم من مجلة كانت نواة لحركة فكرية أو تيار ثقافي بأكمله أو كانت خلاصة لصوت وهوية جيل أو مرحلة بكل همومها وأفكارها وأحلامها ومرجعاً لا مناص منه في اختصاصها ولدارسيها.. وكم من مجلة ثقافية صنعت ثقافة حقيقية!.. ووسط كثرة المجلات التي تتهاوى حتى تكاد تنقرض من حياتنا، نجد أن بعضها لازالت تصر على المقاومة وإن اقتضى الأمر منها تجديد نفسها في كل عدد، فإنشاء مجلة وإدارتها وتحريرها هو إبداع أيضاً ويفترض به أن يحرص على خصوصيته وأن يقدم المتميز والجديد والخاص في الشكل والمضمون وأن يسعى للتكيف ومواكبة عصره فيما يطرح وفي كيفية الطرح في كل عدد جديد. من الأمثلة على ذلك، عرفنا في إسبانيا، مجلات ثقافية استطاعت ولازالت تقف على أقدامها الورقية بقوة، ومنها مجلة (إنيه) المتخصصة بالقصة القصيرة، وهي فصلية، تختار لكل عدد موضوعاً واحداً، كأن يكون: العائلة، الليل، التلفزيون، الطفولة، الحب، الإنترنت...إلخ، ثم تستكتب عشرة كُتاب، حققوا حضوراً معيناً، من بلدان مختلفة لكتابة قصة عن تلك الموضوعة، وبعدها تُصدر العدد بالقصص العشرة وبمقدمة وبتعريف موجز بكل كاتب، وقطع طباعتها من الحجم المتوسط، أي أن القارئ سيحملها بمثابة كتاب واحد عن موضوع واحد (أنطولوجيا) لعشر مؤلفين من بلدان وثقافات مختلفة وبأساليب مختلفة، هذا إلى جانب إقامة المجلة لمسابقات سنوية في القصة لم يقل المشاركون فيها عن خمسة آلاف في أي عام، وأخرى للأقصوصة يمكن إرسال المشاركة فيها عبر الإيميل أو حتى الهاتف الجوال.. وهكذا تواصل المجلة حضورها وحيويتها بحيث تحولت إلى مؤسسة ثقافية تهتم أيضاً بالنشر والتصوير والديكور وغيرها مطلقة على نفسها تسمية (مصنع الأفكار). المثال الآخر، وفي اختصاص القصة أيضاً، هو تجربة لكتاب شباب اجتمعوا فيما بينهم لإصدار مجلة باسم (الجانب الآخر من المرآة) وسعوا إلى الاجتهاد في التصميم الحديث والفني الحداثوي لصفحاتها، تشكيل يمزج بين صورة الكاتب ونبذة عنه والنص وموضوعه.. ونوّعوا في أحجام وألوان تصانيف الخط، كما نشروا قصصاً مصورة وينفتحون على أي تجريب يمزج بين الفن البصري والنص مهما تكن غرابته، بحيث تتحول كل صفحة فيها إلى لوحة مستقلة يمكن قصها وتأطيرها وتعليقها على الجدار..

أسئلة الأزمة مثلما أن هناك تبايناً بين البلدان الأوروبية بالتأثر الثقافي بالأزمة الاقتصادية، فثمة تباين بين فئات المجتمع الواحد أيضاً، ففي حين أن الطبقات التي تتمتع برأسمال اجتماعي وثقافي واقتصادي قوي تواصل تعاطيها الثقافي، وإن كان بشكل مختلف، يتم استبعاد الفقراء والمحرومين من ذلك. وهذا الأمر، على سبيل المثال مخالف للمادة 44.1 من الدستور الإسباني والتي تنص على أنه: يجب على السلطات الحكومية أن تعزز وتكفل حق الحصول على الثقافة لكل شخص. وماذا عن الحقوق الثقافية الدستورية الأخرى والتي من بينها ضمان الحفاظ على الإرث الثقافي بما فيها ثقافات فئات الأقليات الصغيرة؟ ضمان المساواة في الفرص؟ وغيرها مما يعد أمراً بالغ الخطورة لأنه صار يطرح الكثير من التساؤلات المصيرية تتعلق بمدى نجاح النظام الديمقراطي والرأسمالي السائد للحكم أم ضرورة البحث عن صيغ أخرى؟ وهل ستنفصل الأقاليم أم لا بعد أن زادت الفروقات بينها اقتصادياً وثقافياً؟ وإذا كانت الأزمة ستشكل عاملاً حاسماً في التغيير الاقتصادي فهل أن الثقافة ستكون عاملاً رئيسياً في هذا التغيير؟ ما هو دورها وكيف سيكون؟ وما هي التحولات التي ستطرأ عليها؟ لماذا لم تظهر نظريات أو تيارات فلسفية وفكرية جديدة شاملة كما كان يحدث إثر أزمات القرن الماضي؟

بشكل عام لازال المثقفون يراهنون على أن الحل يكمن في الثقافة ويحاولون تحريك الجماهير بهذا الاتجاه، وبالمقابل يراهن الساسة على السياسة والاقتصاد ويحاولون استمالة الجماهير ذاتها.. ولا أحد يدري متى سينتهي هذا التجاذب ولصالح مَن وكيف وما الذي سيتمخض عنه!

وعليه، فكما يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة الباسك ومركز البحوث الاجتماعية الفرنسي إيجوسكي أورتيجا «فإن هذه الأزمة الاقتصادية، وعلاوة على ما تسببه من أزمة اجتماعية وسياسية، فإنها في العمق تشكل أزمة ثقافية خطيرة».

تواجه الثقافة الأوروبية، التي هي أم الثقافة الغربية عموماً، أصعب أزماتها في العقد الأخير، ألا وهي الأزمة الاقتصادية التي أثرت ولازالت تؤثر بشكل مباشر وفعال على كل المظاهر الثقافية المعنوية والمادية، فقد خفضت معظم البلدان الأوروبية ميزانيات الثقافة والتراث ونسبة دعم المؤسسات وقلصت، بل وحتى ألغت، أغلب المساعدات التي كانت تمنحها للمشاريع الثقافية، باستثناء بلدين، هما لوكسمبورج وفنلندا اللذان يؤمنان بأن الثقافة هي أحد مصادر جلب الثروة وتوفير فرص العمل. إن الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008 أدت إلى أزمة ثقافية، فقد قادت سياسات التقشف المتبعة على مدى السنوات الخمس الماضية إلى زيادة في البطالة والفقر وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وبالتالي إلى انخفاض الطلب الثقافي، حيث ارتفعت ضرائب القيمة المضافة على السلع والخدمات الثقافية من نسبة 8٪ إلى 21٪، مقابل انخفاض الإعانات الحكومية، مما أثر بشكل كبير ومباشر على الانتاج والاستهلاك والفرص الثقافية كماً ونوعياً.

هامش مع موضوع محسن

جفاف ثقافي أوروبي

البيانات التي نشرتها مديرية الاستطلاعات والدراسات في المفوضية الأوروبية أواخر عام 2013 فيما يتعلق بالثقافة، دقت جرس الإنذار الذي أفزع البرلمان الأوروبي في بروكسل، حيث تبين أنه وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، انخفضت ميزانية الوزارات الخاصة بشؤون الثقافة والتربية والتعليم بنسبة 70٪. وأن المواطنين الأوروبيين قد تقلص حضورهم إلى المسارح والحفلات الموسيقية وزيارة المتاحف وقراءة الكتب بالمقارنة مع عام 2007. وأن ما نسبته 38٪ فقط منهم من لازال يمارس نشاطاً فنياً مثل الرقص والغناء والتصوير الفوتوغرافي... وكان الاستثناء الوحيد السينما فقد بين الاستطلاع أن نسبة 52٪ (مقارنة مع 51٪ في عام 2007) من الناس قد ذهبوا ولو مرة واحدة لمشاهدة فلم خلال العام.

وهكذا اعترفت المفوضية الأوروبية للتعليم بالانخفاض الكبير بنسبة الأشخاص الذين شاركوا في الثقافة، وعبرت عن قلقها بصيغة إنذار عالي الصوت للحكومات، داعية إلى دعم هذا القطاع وتشجيع المشاركة، بما يجعل منه محركاً للنمو والتوظيف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا