• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الكتابة الأنثوية من الكينونة النسوية إلى جينوم السَّرد الحوائي

جدل الهويّة الإبداعية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 نوفمبر 2015

منذ فجر التاريخ والمرأة تكتب أنوثتها على لوح الوجود الملموس أينما تعيش في حياتها اليومية. وحينما كان آدم، كانت حواء، وكانت تلك هي البداية. لذلك، ربما يضمُّ التاريخ في أرشيفه شيئاً عن تلك المرأة الأولى التي كتبت يوميات الوجود والحياة عبر مخيالها الأُنثوي. لكننا لا ندري الكثير عنها، إنما الذي ندريه أن الأرشيف القديم والوسيط والحديث فالمعاصر، يضمُّ الكثير من الوثائق التي تصنف بأنها كتابة أُنثوية Womanliness writing أو كتابة مؤنَّثة Feminine Writing، تلك الكتابة التي تخطَّها المرأة بمداد أنوثتها على نحو إبداعي متخيَّل ـ المتخيَّل الأنثوي Female Imaginary ـ وتصبُّها في مدوَّنة أدبية متخيَّلة كما هي حال الشَّاعرة الإغريقية سافو «ولدت في 612 ق. م»، والشَّاعرة العربية الخنساء «تماضر بنت عمرو 575 ـ 664 ق. م»، وغير ذلك من الشَّاعرات أو المبدعات اللواتي كتبنَ القصّة والرواية والمسرحية والملحمة لاحقاً، وبقية المنثورات السَّردية والتأمُّلية الأخرى تواتراً، والتي صارت تمثِّل قيمة إبداعية هائلة، وبالتالي أصبح موضوعها، موضوع الكتابة الأُنثوية، محط العناية القرائية من طرف النقّاد والمفكِّرين والفلاسفة، نساءً ورجالاً، أولئك الذين سعوا إلى بناء أطر قرائية مفكَّر بها لهذا النَّمط من الكتابة المشتهاة. في عام 1975، أكَّدت هيلين سيسو على أن «المرأة يجب أن تكتب ذاتها» (1). ويعود لها الفضل في أنها أول من استخدمت مصطلح «كتابة الأنثى» Écriture féminine باللغة الفرنسية، لكن دعوة هذه الباحثة جاءت متأخرة؛ فالمرأة كتبت ذاتها منذ قديم الزمان! وعلى الرغم من ذلك، تبدو دعوة سيسو هذه مهمة لأنها تجئ في ظل تعاظم حضور المرأة في العالم الحديث والمعاصر حضوراً مزاحماً في عالم تهيمن عليه الخطابات الذكورية، وتطوَّر الاهتمام بوجود ذلك الحضور، ومشاركته في أغلب النُّظم التي تتحرَّك بمقتضاها المجتمعات البشرية المعاصرة. ليس هذا فحسب، بل تأتي دعوة هيلين أيضاً في ظل تطورات وتحوُّلات الكتابة الأُنثوية المغايرة للكتابة الذكورية، وهو ما شكَّل لبنات الخطاب الأُنثوي الجديد. جوهرية الأُنوثة كانت هذه التطورات والتحولات قد عمَّقتها وعياً وتفكيراً نخبة من الباحثات الأوروبيات مثل: «ألين شوالتر»، و»مونيك فيتيغ»، و»لوسي إيريغاري»، و»جوليا كرستيفا»، و»براخا إيتنغر»، و»مريم كلاغر»، و»مادلين غانيون»، وغيرهن من اللواتي ربطن بين الكتابة والأُنوثة في ضوء مرجعيات العلوم الإنسانية المعاصرة كعلم اللغة، ومسائل النَّظرية الأدبية، وعلم التحليل النفسي، وعلم التحليل الاجتماعي والإناسي. تذهب بعض التعريفات المعجمية إلى أن مصطلح (Écriture feminine) الفرنسي يقتصر استخدامه على نوع معيَّن من الكتابة النَّقدية النِّسائية التي نبعت من نسوية الناقدات الفرنسيات المعاصرات مثل لوسي إيريغاري، وهيلين سيسو، وجوليا كريستيفا. أما العنصر الذي يميز هذا الشكل من النَّقد النّسوي هو الاعتقاد بأن هناك مجالاً لإنتاج النُّصوص يمكن أن يسمى بـ «المجال الأُنثوي»، ولكنه المجال المستتر تحت سطح الخطاب الذكوري، ولا يظهر إلا من آن لآخر، وفي صورة انشطار اللغة الذكورية. وفي هذا المجال، ثمَّة افتراض آخر يرى أن المرأة تُعطى هويَّة معينة في إطار البنيات الذكورية للغة والسُّلطة، وأنها يجب أن تسعى للتصدِّي لهذه الهويَّة المفروضة. ويُفهم هذا الاتجاه من النّسوية الراديكالية عادة على أنه يفترض وجود أنوثة جوهرية لدى النِّساء يمكن استحضارها، وأن من الممكن أيضاً التمييز بين الكتابة الأُنثوية حقاً وبقية الأشكال اللغوية الأخرى. لكن بعض الناقدات مثل إليزابيث جروز في كتابها «جاك لاكان: مقدمة نسوية/1990»، ومارجريت هايتفورد في كتابها «لوسي إيريغارى: الفلسفة بصيغة المؤنث/1990»، تعتقدان أن من الخطأ النَّظر نظرة حرفية إلى العلاقة بين جسد الأُنثى وعملية الكتابة في أعمال بعض الناقدات مثل لوسي إيريغاري التي تستخدم ثنائية النَّوع الذكر/ الأُنثى على سبيل التعبير المجازي، ومن ثم تضع تفسيراً رمزياً للتشريح كما تقول في كتابها «غرَّة المرأة الأخرى/1974»، وتوضح إليزابيث جروز ذلك بقولها: «إن إيريغاري وغيرها من الباحثات في النّسويات اللاتي يقلن بالاختلاف لا يشرن إلى جسد الأنثى بالمعنى البيولوجي، ولكن بقدر ما تكتنفه اللغة، وتنتجه، وتضفي عليه المعنى» (2). كان أحد الباحثين المغاربة قد أكَّد الفرق الواضح بين مفهومين يتعلَّقان بعالم المرأة المبدعة فيما تكتب أو فيما تريد قوله إبداعياً؛ فهناك «الكتابة النِّسائية» التي «تلجأ فيها المرأة إلى أساليب محض أدبية وجمالية، ولا تتبنى فيها أي موقف مسبق من الرجل سوى تلك المواقف التي يفرضها السياق، ووضعيات الشُّخوص» (3). وهناك أيضاً «الكتابة النّسوية» التي «تلجأ فيها المرأة إلى توظيف الأدب كأداة للاحتجاج على أوضاعها الاجتماعية والأُسرية والتعليمية والسياسية، وعلى أوضاع المرأة عموماً داخل المجتمع الذكوري، وللاحتجاج على الرجل» (4). وإذا كان مصطلح «أدب المرأة» قد فقد بريقه التداولي راهناً، كذلك الأمر بالنسبة إلى مصطلح «الأدب النِّسائي»، فإن محرِّر موقع «شبكة النبأ الإلكترونية»، وتحت عنوان «الكتابة الأُنثوية»، كتب ما نصه: «ترى النظرية الأدبية أن الكتابة النّسوية تتخذ موقفاً واضحاً ضد الأبوية، وضد هذا التمييز الجنسي، أي إنها كتابة مؤدلجة. أما الكتابة الأُنثوية فهي التي تبدو وقد همَّشها النظام الاجتماعي والثقافي السائد بحجَّة وقوعها في زوايا التابو التي يجب على المجتمع أن يحاصرها، وبالتالي يمنعها ـ وبكل السُّبل ـ من أن تبرز هويتها بوجهه بوصفها نوعاً من الكتابة له خصوصيته وفرادته، وحاله حال غيره من أنواع الكتابة الإبداعية» (5). جينوم الأُنوثة&rlm  من وجهة نظري، أن الكتابة الأُنثوية تنطلق أساساً من اعتبار (الأُنوثة) خاصة جوهرية وحقيقية لدى المرأة، وهي خاصة عرضية مصطنعة لدى العنصر الذكوري. ولذلك، لا يمكن أن نضع مفهوم «الكتابة الأُنثوية» في تسلسل أو في تراتب، قبل أو بعد أو بين، مفهومي «الكتابة النِّسائية» و»الكتابة النّسوية»؛ ففي نمطي الكتابة، النِّسائية والنّسوية، يثوي جينوم أو نواة الأُنوثة Genome كقدر لا يمكن التملُّص من سلطته الملذَّة بالنسبة للمرأة، ولا من سلطته المُشتهاة بالنسبة للرجل، ولا من سلطته المزاحمة والمشاكسة للمرأة على الصعيد الإبداعي، بمعنى أن الأُنوثة موجودة كأصل جوهري لدى المرأة، وهو الأصل الذي يهمُّ بالظهور والحضور في حركة الإبداع المتخيَّل لديها. إنَّ الأُنوثة مبثوثة كـ «أصل» في روح القول المتخيَّل وفي جسده «المضمون والشكل أو المدلول والدال»، وموجودة كبذرة قابلة للنمو والإثمار والتداول في ذات المرأة ووجودها المتخيَّلين جمالياً، بل إن الأُنوثة تمدُّ طاقة التخيَّل المتجدِّدة بروحها ورغبتها وكيانها في الحضور الإبداعي الخلاق أينما وجد. مع ذلك، لا بد من الاستدراك؛ فلمّا كانت الأُنوثة طاقة جوهرية متاحة للتداول وقابلة للتجدُّد لدى المرأة، سواء على الصعيد الحياتي اليومي ـ الاستهلاكي «العالم الموضوعي» أم على الصعيد الإبداعي المتخيَّل «العالم الذاتي»، فإنِّ توظيف هذه الطاقة في المجال الإبداعي المتخيَّل يخضع دائماً إلى تأثيرات حالات المرأة الجسمية والبيولوجية والتناسلية، وكذلك الذاتية والنفسية والمزاجية والبيئية والثقافية، فضلاً على حالاتها العرقية والدَّينية والحضارية والسياسية التي تعيشها في مجتمع معين، كما أنه يخضع إلى نوع «الجنس الأدبي» الذي تفضِّله الكاتبات على غيره؛ فلكل جنس أدبيٍّ خصوصيته الحقلية، وطاقته التعبيرية المغايرة عن غيره، وكل تلك الخصائص هي خاضعة تلقائياً لتأثيرات الأُنوثة. الهرمون المؤنَّث تميل الكاتبة الدكتور نوال السعداوي إلى عدم جعل العامل الأُنثوي في مرجعيته البيولوجية والجنسية سبباً رئيساً للكتابة التي تميز الرجل عن المرأة، وبذلك تنتصر السعداوي إلى العوامل الموضوعية دون الذاتية، وتقلِّل، إن لم تكن تسخر، من مواقف نظريات التحليل النفسي التي ترجع الكتابة الأُنثوية إلى خاصيات العوامل البيولوجية والتناسلية والجنسية؛ ففي معرض إجابتها عن سؤال: «أيكون للمرأة الكاتبة نص أنثوي؟» قالت: «كأنما تكتب المرأة بالهرمون المؤنَّث، كأنما ليس هناك ما يشغل عقل الكاتبة إلا ما يتعلَّق بالجسد والجنس، وحب الرجل والتضحية من أجله، والخضوع له. وإنْ تناولت الكاتبة أمور الفكر والسياسة والاقتصاد، فهل يكون نصها ذكورياً؟ لا يمكن أن ننكر أثر الهرمون في المزاج والتفكير، لكن هرمون «الاستروجين» الأُنثوي ليس مصدر صفات الأُنوثة السائدة اجتماعياً من حيث الخضوع والضعف. كما أنَّ هرمون الذكورة «البريجستون» ليس السبب وراء العنف الذي يميز الرجولة. إنَّ هذه الصفات التي تشتمل على العنف والإقدام أو الضعف والاستسلام قد تصيب الرجال أو النساء حسب التربية والبيئة والقيم السائدة، وبالمثل في الكتابة، تتأثر كتابات الرجال والنِّساء بالبيئة والمجتمع وليس لكونهم ذكوراً أو إناثاً» (6). وفي هذا السياق، لا يختلف موقف الناقدة الدكتورة يمنى العيد عن موقف نوال السعداوي، فهي لا تؤمن بالخصوصية الأُنثوية للكتابة التي تنتجها المرأة، ولا تعطي للخصوصية الذاتية أي أهمية تمييزية قائمة على أساس المكوِّنات البيولوجية والجنسية الخاصة بكينونة المرأة، ولذلك لا ترى، فيما تكتبه المرأة، سوى أنه «نتاج ثوري يلغي مقولة التمييز بين الأدب النِّسائي والأدب، كما يلغي مقولة الخصوصية النِّسائية كطبيعة تعيق مساهمتها في ميادين الإنتاج الاجتماعي والتي منها الأدب» (7). في هذا السياق، تمضي القاصة والكاتبة الروائية غادة السمان في الاتجاه ذاته عندما تقول: «من حيث المبدأ، ليس هناك تصنيف لأَدبين؛ نسائي ورجال» (8). أما الباحثة الفرنسية Annir anzieu فهي على النقيض من الدكتورة نوال السعداوي ويمنى العيد وغادة السمان؛ لأنها تعتقد أن العوامل البيولوجية والتناسلية ذات الفروق الحادّة بين الرجل والمرأة تمثلُ أساساً جوهرياً يؤثر في أنماط الكتابة، ولذلك تقول آنزيو: «في سيرورات الإنتاج، تختلف المرأة عن الرجل، الإنتاج التناسلي ـ الإنتاج اللغوي. والخلاف في الشَّكل والتحديد العضويين يؤدي إلى استخدام للرموز ولنمط من العمل الشَّفهي مختلفين عند الرجل والمرأة» (9). الكتابة والإنجاب ليس هذا فقط، بل تعمِّق آنزيو التغاير بين نمطي التنظيم اللغوي لدى المرأة والرجل عندما تقول: «إن التنظيم اللغوي للتعبير الأُنثوي يتضمَّن التصوُّر اللاشعوري للذات، وهو محدَّد بالتجويف التناسلي. في حين عند الرجل يمكن التعرُّف بسهولة بأن القدرة الشَّفهية معادلة للقدرة الذَّكرية» (10)، وتضيف قائلة: «إن المشاعر الجنسية عند المرأة هي داخلية أكثر منها خارجية» (11). وترى في النِّساء اللواتي وضعن أطفالهن بعملية قيصرية: «يشعرن بأنهن محرومات من اللذة المتخيَّلة جرّاء ولادة أطفالهن بالمسالك الطبيعية إلى درجة يجدن أنفسهن مكتئبات وكأن أنوثتهنَّ بدت مُختطفة»! (12). وكل ذلك سيترك أثره على الحياة الداخلية للنِّساء، وسينعكس على فعلهن في الحياة اليومية، وفي كتابتهنَّ المتخيَّلة أيضاً، وإلى جانب ذلك تعتقد آنزيو أن الفتاة «تُظهر بوساطة الكلام والكتابة إمكانية ومتعة العمل الداخليين الممثلين للذّتها الجنسية، فكلامها هو الإشارة على رغبتها» (13). وإذا كانت المرأة تعرف ما ترغب فيه، فإن شعورها برغبتها يبقى داخلياً، وتبقى متعتها غير ظاهرة للنَّظر. وعن علاقة إنجاب المرأة بالكتابة، تقول آنزيو: «عندما يكون الطفل مرغوباً ومراداً، ويكون ـ الطفل ـ النتيجة المكتملة لقدراتها الأوديبية الخلاقة، تكون الكتابة كذلك؛ فهذه علامة على أنها تتمتَّع، وحينها تُجسَّم الكتابة كنتيجة لشبق مُستطبن؛ إنه إنجاب استعاضي، إنه برهان الخصوبة» (14). وتمر آنزيو أيضاً على طفولة الفتاة؛ فعندما «تتعلَّم الفتاة استخدام العلامات الشَّفهية في القراءة والكتابة تُظهر لأمها، التي تعلَّمت منها الكلام، قدرتها على الخضوع للقواعد. وتجد نفسها أمام وضع يستعيد كل ما تستطيع كينونتها النِّسائية المتحوِّلة دمجه بالشبقي. وتأخذ الكتابة بالنسبة إليها فعل ما تسميه بـ «»Self-abuse، وتلمح الأشكال المرسومة بيدها إلى علامات لذَّة تكتشف لها طريقة جديدة لإحداثها» (15). كما أنَّ «العلامات الكتابية، في أشكالها المحسوسة المرسومة باليد، وبالعلامات المقنّنة للنحو والصرف وقواعد اللغة، هي بالنسبة للفتاة انتقال نسق التمثيلات اللاشعورية إلى علاقات الرغبة والغيرة بينها وبين أهلها» (16). وقبل أن تختم آنزيو نراها تنوِّه إلى أنها طابقت بين «الحمل لدى المرأة» و»الكتابة» لديها قائلة: «الكتابة الأُنثوية تحلُّ بالنسبة للمرأة محل الحمل، إنها تظهر كنتيجة لتسامي العلاقة بكائن محبوب»، أي الطفل الوليد (17). يتضح من هذا كله، أن آني آنزيو أعطت للمرجعية البيولوجية والجنسية واللاشعورية في جانبها النَّفسي أهمية كبيرة في تكوين كينونة الأُنوثة لدى المرأة، ومن ثم في ولادة كينونة الكتابة الإبداعية المؤنَّثة لديها، ويشاطرها الرأي في هذا الاتجاه الناقد المغربي محمَّد برادة الذي قال: «إنَّ اللغة النِّسائية، كمستوى من بين مستويات عدّة، هذا الطرح يجب أن نربطه بالنَّص الأدبي، والنَّص بطبيعته متعدِّد المكوِّنات. المقصود باللغات داخل اللغة النْسق لا القاموس. هناك كلام مرتبط بالتلفُّظ؛ بالذات المتلفِّظة، وليس المقصود أن ندرس نصوصاً قصصية وروائية كتبتها نساء. إن الشرط الفيزيائي المادي للمرأة كجسد؛ هذا الوضع، هو الذي يبرر أنْ نفترض وجود لغة داخل نصوص تكتبها المرأة. يلتقي الرجل الكاتب، والمرأة الكاتبة في اللغة التعبيرية، واللغة الأيديولوجية، لكن هناك اللغة المرتبطة بالذات، ومن هذه الناحية يحق لي أن افتقد لغة نسائية؛ فأنا، ومن هذه الزاوية، لا أستطيع أن أكتب بدل المرأة، لا أستطيع أن أكتب عن أشياء لا أعيشها. التمايز موجود على مستوى التمييز الوجودي. أنا لا أستطيع أن أكتب بدل الرجل الأسود المضطهد» (18). الذات والكتابة وفي سياق سؤال الخصوصية الأُنثوية للكتابة عند المرأة، تقف الناقدة المغربية رشيدة بنمسعود في مقدِّمة اللواتي ينتصرن لخصوصية هذا النَّمط من الكتابة؛ ففي كتابها «المرأة والكتابة» خاضت غمار البحث في مجموعة من الآراء المتضاربة حول هذه الإشكالية، وعمدت إلى تقديم رؤيتها الخاصة في هذا المجال؛ رؤية تنهض بتحديد «خصوصية هذه الكتابة انطلاقاً من تعريف النَّص الأدبي كما أتت به النَّظرية الحديثة متمثلة بالشَّكلانيين الروس، خصوصاً لدى رومان جاكبسون في تحديده لوظائف اللغة» (19). كان جاكبسون قد وضع مخططاً تضمَّن مجموعة من المفاهيم التداولية الخاصة بما يُعرف بـ «نظرية الإبلاغ»، ومفاهيم هذه النَّظرية هي: المُرسل، والمرسَل إليه، والرسالة، والسياق، والصلة أو الاتصال، ومن ثم السنن Codes. ومنح جاكبسون كل عنصر من هذه العناصر الستة ست وظائف لغوية مختلفة هي وظائف الخطاب الأدبي: التعبيرية، والشِّعرية، والمرجعية، واللغوية أو الانتباهية، والمعجمية، والإفهامية. وكان هذا العالِم اللغوي قد ابتنى مفهوماً اسماه بـ «المهيمنة Dominant»، فمن منظوره أن ما يُهيمن على الخطاب الأدبي هو ما أطلق عليه بـ «الأدبية»، لأن موضوع الأدب هو «الأدبية، أي ما يجعل من الأدب أدباً، وبهذا يصير النَّص الأدبي فضاء يحيل إلى ذاته، ويقع فيه التركيز على الإرسالية التي تقوم بالوظيفة الجمالية، وهي وظيفة أساسية» (20). وتعتقد رشيدة بنمسعود أن «المهيمنة» و»الوظيفة الجمالية» ذات شأن كبير في مسألة الخصوصية المتعلِّقة بكتابة المرأة، ففيهما إحالة على الذات، ذات النَّص الأدبي، Autoréférent «المصطلح بالفرنسية»، والذي بدوره يحيل على ذات الكاتب أو الكاتبة. كما أنها تحفل بالوظيفة التعبيرية أو الانفعالية التي أوردها جاكبسون، وهي الوظيفة «التي تمكِّن المتكلِّم أو المُرسل «من إعطاء انطباع عن حالته سواء كانت واقعية أم متخيَّلة». وبالنسبة لهذه الوظيفة التعبيرية يقع التأكيد على دور المرسل، وهذا ما يجعلنا نصل، مع رشيدة بنمسعود، إلى خلاصة، هي: «أن الكتابة النِّسائية تتميز بحضور مرتفع نسبياً لدور المُرسل، ويعني هذا أن الوظيفة التعبيرية حاضرة كشكل ذي دلالة كبرى (21). تعني الوظيفة التعبيرية «حضور الذاتية في الكتابة»، وتعني غلبة اشتغال «ضمير المتكلِّم/ أنا»، وتعني حضور «التمحور على الذات»، وتعني أيضاً التأكيد على حضور العلاقة بين «الكتابة والهويَّة»، وكذلك تعني غلبة الثرثرة من أجل تحقيق الرغبة في «التواصل»، وتعني هيمنة الرغبة في «الخروج من العزلة وفتح حوار مع الآخر»، لكون النِّساء، وبحسب إيلين شوولتر، «حُرمن من استعمال كامل المصادر اللغوية، وأرغمنَ على الصمت أو على التلطُّف أو الإطناب في التعبير» (22). الأُنوثة المبدِعة من مغرب الوطن العربي إلى خليجه المشرقي؛ فتحتَ عنوان «هويَّة الكتابة الأُنثوية في عُمان» (23) تناولت الشّاعرة والروائية العُمانية الدكتور فاطمة الشيدي إشكالية الكتابة لدى المرأة. وفي دراستها هذه اعتمدت على منظومة من المفاهيم كان مصطلح «أنثوي/ أنثوية» فيها يؤسس لقناعة رؤيوية وضميمة مفاهيمية تنتصر لخصوصية المرأة فيما تكتب؛ خصوصيتها كامرأة متغايرة الكينونة مع الرجل. ظهر هذا المفهوم من خلال مستويات عدَّة، هي: 1. مستوى استخدمت فيه مصطلح: «المرأة المبدعة». 2. مستوى استخدمت فيه المصطلحات: «الذات الثقافية الأُنثوية»، و»الذات الأُنثوية المبدعة»، و»الذات الأُنثوية العُمانية». 3. مستوى استخدمت فيه المصطلحات: «الإبداع الأُنثوي»، و»الإبداعات الأُنثوية»، و»الأقلام الأُنثوية»، و»ثقافة الأُنثى وإبداعاتها». 4. مستوى استخدمت فيه مصطلح: «الأدب النّسوي أو الأُنثوي» مقابل «الأدب الذكوري». 5. مستوى استخدمت فيه المصطلحات: «الكيان الثقافي الأُنثوي»، و»الكينونة الأُنثوية الثقافية»، و»القافلة الأدبية الأُنثوية». يتضح من تراتب هذه المستويات، أن فاطمة الشيدي تجعل من مفهوم «الأُنثوي» أو «الأُنثوية» مفهوماً مركزياً في تناول إشكالية الكتابة لدى المرأة. ويأتي ذلك بداعٍ من قناعتها بوجود هويتين إبداعيتين هما: «الهوية الثقافية الأُنثوية» و»الهوية الثقافية الذكورية». وترى في فعل الكتابة الذي تمارسه الأنثى أنه فعل «سافر، مفضوح»، فعل «كشف وتعرية للداخل». ومعروف أن تعرية الداخل هي كشف المستور في الذات الأُنثوية، وكشف المختبئ وغير المنظور في كينونتها، وهو بالتأكيد كشف لتلك الخصوصية الأُنثوية التي تميز كينونة المرأة عن الرجل في كل حالاته الذكورية. وبذلك تنتصر الشيدي لكل ما يمثِّل خصوصية أنثوية في كتابات النِّساء في أكثر حالاتهن كشفاً عن الذات والكينونة؛ ذات وكينونة حواء الأنثى. الناقد المصري الأستاذ عبد الفتاح صبري من جانبه درس أدب المرأة في كتاب له بعنوان «صورة المرأة في القصة النِّسائية الإماراتية» (24)، وركز البحث فيه من زاوية مشروعية التسمية. وكما نلاحظ من عنوان الكتاب أن صبري يميل إلى استخدام مصطلح «القصَّة النِّسائية»، ومصطلح «أدب المرأة»، وبالتالي مصطلح «الأدب النِّسائي»، لكننا نراه، وفي أحد مباحث الكتاب ذاته، يدرس «صورة الأُنثى في النَّص القصصي الإماراتي»، مستعرضاً بعض النماذج القصصية، باحثاً فيها عن اشتغالات الأُنوثة لتتكرَّر لديه العناوين الآتية: «الأنثى في نص الكاتبة الإماراتية»، و»الذات الأُنثوية»، و»الخطاب الأُنثوي الجديد»، و»منطقة الأنثى»، لكنه يعود، في آخر الكتاب، إلى مصطلح «الكتابة النِّسائية الجديدة». ومهما يكن الإصرار المفاهيمي لديه فهو يميل إلى دفة مصطلح الأدب النِّسائي، فإن مقاربته في «صورة الأنثى..» تبقى لافتة في كل مساعيه القرائية عن الكتابة الأُنثوية. نكهة أنثوية تساءلت الدكتورة وجدان الصائغ عن مدى إمكانية وجود سرد أنثوي، وقالت: «هل هناك سرد أنثوي؟». جاء ذلك في كتابها «شهرزاد وغواية السَّرد: قراءات في القصة والرواية الأُنثوية» (25) ولغرض الإجابة نراها تستظل بعدد من آراء المبدعين العرب الذين تفاوتت رؤاهم بين وجود سرد أنثوي من عدمه. وفي هذا السياق لا يعتقد الدكتور عبد العزيز المقالح بوجود فرق بين إبداع المرأة وإبداع الرجل قدر تعلق الأمر بمشاعر الأُنوثة ومشاعر الذكورة فيما يكتبون (ص 224). ويعتقد الشّاعر البحريني علي عبد الله خليفة أن الإبداع قيمة فنية جمالية تنبع من روح المبدع الشفافة بغض النظر عن جنسه ذكراً كان أم أنثى (ص 226). ومن جانبه وجد الشّاعر السوري سليمان العيسى أن القصيدة النِّسائية مثلاً استطاعت أن تعبِّر عن أنوثة المرأة، وعن همومها، وعن ملامحها؛ فنازك الملائكة، وفدوى طوقان، وملك عبد العزيز، وكثير سواهن، استطعن أن يلبسن المفردة ثوب الأُنوثة وسجاياها المرهفة، والخنساء كانت تكتب شعراً يمثل البيئة الصحراوية ومكابداتها، ولكن بنكهة أنثوية لا تغيب فيها نبرات صوتها، وبصمات أصابعها المرهفة، وآية ما يذكره العيسى أن ثمة فرقاً بين الرجل حين يُبدع والمرأة حين تُبدع (ص 227). كل كتابة، نسوية كانت أم نسائية، هي كتابة أنثوية، وكل كتابة تخطُّها المرأة هي كتابة منقوعة بماء الأُنوثة. وسلطة الواقع الذكورية بكل ما فيها من عقلانية أداتية لا تستطيع حجب نور الأُنوثة عن حضوره في كل ما تكتبه وتخطُّه المرأة. الأهم من ذلك، وعندما تلجأ المرأة إلى كتابة المتخيَّل، ستجد في داخلها متسعاً من الحرية في التعبير عن هويتها الأُنثوية. ولو طلبنا من المرأة أن تكتب سيرتها الذاتية، لوجدناه تشعر، وعلى الفور، بعقبات عدَّة تتراءى أمامها؛ عقبات الواقع الذكوري بكل مفاصله ومساراته، بينما لو طلبنا إليها أن تكتب سيرتها الذاتية وعبر المتخيَّل السَّردي أو السير ـ ذاتي، لكانت رحَّبت بالعرض؛ ففي هذا المتخيَّل مثلاً توجد فسحة من الحرية في جعل الواقع الذكوري منقوعاً بزلال الخيال الأُنثوي، وربما بمناوراته واستعاراته وكناياته وتورياته. تبدو مصطلحات مثل: «أدب المرأة»، و»الكتابة النّسوية»، و»الكتابة النِّسائية»، هامشية على مركزية وجوهرية مصطلح «الكتابة الأُنثوية»؛ المصطلح الذي يتفوَّق على هذه المصطلحات الثلاثة بالتعبير الوافر والخلاق عن الإقامة الأصيلة في عمق الذات الأُنثوية، وبقدرة هذا المصطلح، غير المحدودة، على التعبير عن ذلك العُمق وتلك الإقامة وما بينهما من طيّات وثنايا. في النِّهاية، تنساب الأُنوثة لدى المرأة في كل ما تكتب، لذلك تعدُّ أنوثتها جوهراً يتبدَّى في نصوصها الإبداعية التي هي نصوص الكتابة الأُنثوية، ومنها نصوص الكتابة السَّردية كالرواية والقصة والحكاية والمسرحية التي تفترض وجود أنوثة ساردة، فما هي الأُنوثة السّاردة؟ الهوامش (1) اُنظر كتابها:Hélène Cixous: «The Laugh of the Medusa» (1975) (2) أُنظر: موقع «شبكة النبأ الإلكتروني» (www.annabaa.org)، مادة «الكتابة الأُنثوية». وللمزيد عن لوسي إيريغاري اُنظر كتابها: (سيكولوجية الأُنوثة، ترجمة: د. علي أسعد، دار الحوار، اللاذقية، 2007). (3) محمَّد معتصم: جماليات السَّرد النِّسائي «مقال»، الموقع الشَّخصي للكاتب. (4) محمَّد معتصم: المصدر السابق نفسه، واُنظر للمزيد في مؤلفاته: «المرأة والسَّرد»، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2004. و«بناء الحكاية والشخصية في الرواية النِّسائية العربية»، دار الأمان، الرباط، 2006. (5) انظر: موقع «شبكة النبأ الإلكتروني»، مادَّة «الكتابة الأُنثوية». (6) د. نوال السعداوي: الكتابة بين الذكورة والأُنوثة وهوية النَّص. اُنظر موقع «مركز مساواة المرأة». (7) د. يمنى العيد: مساهمة المرأة في الإنتاج الأدبي، مجلة الطريق، ص 155، العدد (4)، نيسان/ أبريل 1975. (8) أوردته رشيدة بن مسعود في «المرأة والكتابة/ سؤال الخصوصية.. بلاغة الاختلاف»، ص 80، أفريقيا الشرق، المغرب، 1994. (9) آني آنزيو: المرأة الأنثى، ترجمة: طلال حرب، ص 131، المؤسسة العربية للدراسات الجامعية، بيروت، 1992. (10) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 131. (11) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 132. (12) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 133. (13) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 135. (14) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 137. (15) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 138 139 (16) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 140. (17) آني آنزيو: المصدر السابق نفسه، ص 151. (18) أوردته رشيدة بن مسعود: المصدر السابق نفسه، ص 91 92. وانظر: محمَّد برادة، القصة العربية، ص 135، مجلة «آفاق»، العدد (12)، أكتوبر/ تشرين الأول، 1983. (19) رشيدة بنمسعود: المصدر السابق نفسه، ص 92. (20) رشيدة بنمسعود: المصدر السابق نفسه، ص 93. (21) رشيدة بنمسعود: المصدر السابق نفسه، ص 94. (22) رشيدة بنمسعود: المصدر السابق نفسه، ص 94 95. (23) د. فاطمة الشيدي: هويَّة الكتابة الأُنثوية في عُمان، مجلة «نزوى»، العدد (24)، تموز/ يوليو 2007. (24) عبد الفتاح صبري: صورة المرأة في القصة النِّسائية الإماراتية، ص 47 وما بعدها، منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة، 2005. (25) د. وجدان الصايغ: شهرزاد وغواية السَّرد/ قراءة في القصة والرواية الأُنثوية، ص 223 وما بعدها، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008. محددات كبرى قادني الاستقراء النقدي للرواية العربية إلى التمييز بين رواية المرأة والرواية النسوية. رواية المرأة هي ما تكتبه المرأة عن الشؤون العامة فتشارك الرجل بذلك، فهي كتابة لا تقوم على هوية جنسية تريد تكريسها إنما تصدر عن رؤية لا صلة لها بذلك. أما الرواية النسوية فهي ذلك النوع من الكتابة السردية التي تتوفر على أحد المكونات الثلاثة التالية، أو جميعها متلازمة: أولاً :أن تحتفي بالجسد الأنثوي بوصفه هوية مميزة للمرأة، فتصف جمالياته ورغباته حتى يصبح المركز الفاعل في فضاء السرد، فتنجذب إليه سائر عناصر السرد. وثانياً: أن تطرح رؤية أنثوية لم تكن معروفة من قبل تمثل موقع المرأة في العالم الذي تعيش فيه، وهذه هي الرؤية الأنثوية للعالم التي تجاهد للظهور على أنقاض الرؤية الذكورية، وتتطلع إلى إزاحتها. وثالثاً: فالرواية النسوية تعرض نقداً جذرياً للنظام الأبوي في مستوياته الثقافية والدينية والاجتماعية، وتقدم هجاءً مراً له بهدف زعزعته، بل إنها تقترح تفكيكه، واستبداله بنظام أمومي يعطي للروابط الإنسانية قيمة أعلى من القيم المغلقة التي كرستها الأبوية. عبد الله إبراهيم كتاب المحاورات السردية (ص 35) تجاوز الثنائية الضدية في الوقت الذي يريد فيه النقد النسوي إعادة الاعتبار البيولوجي والثقافي للمرأة في عالم تتقاسمه مع الرجل، فإنه، انطلاقاً من واقع الحال، يعمل على استكشاف الكيفية التي يقوم بها الأدب النسائي في تمثيل عالم المرأة جسدياً وثقافياً ونفسياً، وتبدو هذه الوظيفة المزدوجة للنقد النسوي، وكأنها تتعارض مع شروطها، فهي تريد من ناحية إعادة التوازن المفقود بين المرأة والرجل على كل الصعد، وبذلك تهشم أنظمة التمركز وآلياته التي دفعت بالرجل وثقافته إلى الأمام، وطمست المرأة، وهي من ناحية ثانية تسعى إلى تأكيد الخصوصيات الدقيقة والمتفرّدة للمرأة وللأدب الذي يقوم بتمثيل عالمها، سواء أكان عالماً داخلياً يتصل برؤية المرأة لذاتها الفكرية والجسدية أم كان عالماً خارجياً يتصل بمنظور المرأة للرجل والعالم. ولا يمكن فك هذا التعارض الذي تزدوج فيه الرغبة في دمج المكوّنين الأساسيين للثقافة الإنسانية، وهما الرجل والمرأة، وتشكل مكوّناً يتجاوز الثنائية الضدية بينهما على المستوى البيولوجي والثقافي، والرغبة المضادة في تأكيد الخصوصيات المطلقة للأدب النسائي، إلا إذا أفرغت شُحَن الغلواء الأيديولوجية التي تحاول بعض اتجاهات النقد النسوي تثبيتها وتأكيدها. عبد الله إبراهيم موسوعة السرد العربي (ص: 639)

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف