• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لوركا.. شاعر الجَمر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 نوفمبر 2015

كتابة - غيل براستنيتزار * فدريكو غارثيا لوركا، شاعر الحبّ الملتبس، حقّق في مجموعته «الرّومانسيرو جيتان» ذلك السّبك العجيب الذي طالما بحث عنه بين حالة الجذب (الدّوندي)، حماسته الأندلسيّة وفنّ الشعر شبه السّوريالي الذي ملك عليه حسّه آنذاك. كتب هذه المجموعة بين 1924 و1927 بمدريد، ولم تنشر إلاّ سنة 1928، فكانت بمثابة إشراقة ساطعة في إسبانيا، ضمنت للوركا وضعاً خاصّاً وبليغاً كشاعر قوميّ. هذا الذي سيغتال يوم 17 أغسطس 1936 بفونتي غرندي (ينبوع الدّمع) سوف يودع في هذا الكتاب كلّ الينابيع والأناشيد، التي بالكاد يحتجب فيها نحيب القيثارة، وبالكاد يستتر فيها إيقاع الطّبول.. الجنائزي. هذه الأشعار التي كتبت في حالة انتشاء، وبوحي من نفس متوهّج، تبقى عصيّة على التّرجمة، إذ هي تقترب من الفعل التعبّدي.. من الهبّة الرّوحانيّة المهداة لشعب الغجر. وقد كان هذا الكتاب الذّهبي للغجر موجّهاً إلى كلّ البسطاء والعاشقين، فضلاً عن المقصيين والمبعدين. هذا العمل المترع بشعر الباروك (وكان لوركا يعشق غنغورا)، بالأناشيد الشّعبيّة، بالصّور الطّلائعيّة وبرومانسيّة منحلّة، ينهض مع ذلك كنشيد متفرّد. في عرض لـ «الرومنسيرو جيتان» استطاع فيسنتي برادال أن يترجم جيّداً ما هو كامن من جوانب مظلمة ومن جوانب مضيئة في هذا العمل، وبالمناسبة اقتبس أشعاراً من هذه المجموعة مفصحاً عن المذاق المرّ للّيمون الذي يطفو في الهواء، الحبّ المجنون الذي يتدفّق نحو النّهر، الموت الذي يتخفّى وراء الأدغال، والخيول التي تحاصر العالم وهي تركض. الموسيقى كظلال للكلمات موجودة هنا لتدوّي في هذه «التّراجيديا الموسيقيّة»، ومنجنيقها اشتغل ليطال النّجوم، وخيال دون أنطونيو، معلّم فدريكو بفونتي فكيروس كان موجوداً أيضاً، ولا بدّ أنّه معتزّ بهذين الاثنين، الشّاعر والموسيقار. فدريكو غارثيا لوركا وفيسنتي برادال من أولئك الذين يحرسون الجمر، الدّم وأبجديّة الحقيقة الأندلسيّة والكونيّة. هكذا يمكن للوجع الأندلسي أن يتبدّى في المشهد، ولوركا وحده يدرك «سرّ النّهر الذي ينساب». هذه آخر الكلمات في مسرحيّة «بيت برناردا ألبا».. «لا شيء حدث» غير تراجيديا الحياة، وبكلمات شديدة الوضوح يتحدّث لوركا عن هذه الحياة، كان صوته خالياً من التّعبير، وأشبه بفيض من الدمّ يكشف مدى وجعه وصدقه. إنّ القمر الذي يطوّف في السّماء، القمر ذو الأسنان العاجيّة، سيتذكّر لوركا. مرج قاتل من الأقمار ومن الدّم المدفون تحت الأرض. موج من الدّم العتيق. نور اليوم ونور الغد. سماء قاتلة من العشب. نور وليل من رمل. لقد التقيت الموت. مرج قاتل من التّراب. من أغنية الموت الصّغرى مقاطع مضافة إلى «شاعر في نيويورك» ............................ * شاعر فرنسي مختارات من أشعار لوركا أشيعوا العطر المُنْحَبس في أرواحكم! ترجمة: أحمد حميدة أشجار الحور الفضيّة أشجار الحور الفضيّة التي تنحني فوق الماء تعرف كلّ شيء و لكنّها، أبدا لن تتكلّم. سوسنة الينبوع تكتم حزنها. وقار لا يرقى إليه البشر! أمام السّماء المضاءة بالنّجوم سرّ الصّمت يكمن في الزّهرة كما في الحشرة. سرّ الغناء من أجل الغناء يسكن كلّ الأخشاب الهامسة و لُجَج البحر. الصّمت العميق للأرض النّابضة نتعلّمه من الوردة من شجيرة الورد المبتهجة. ينبغي لنا إشاعة العطر المنحبس في أرواحنا! ينبغي أن نكون كالموسيقى إحساسا وضياء. ينبغي أن ننفتح بكلّيتنا على ظلام اللّيل كي نمتلئ بندى أبديّ! ينبغي أن نجعل الجسد يرقد في قرارة الرّوح القلقة! وأن نجعل بصائرنا منخطفة ليوم الميعاد. ينبغي أن ننحني على ظلام قلوبنا ونرمي بالنّجمة التي يمدّها لنا الشّيطان. ينبغي أن نحاكي الشّجرة في اعتصامها بالصّلاة وماء النّهر المتوثّب نحو الأبديّة! ينبغي أن ندع الرّوح تألم لجراح تحدثها مخالب الأيّام حتّى يلجها وهج الأفق السّديميّ.! هكذا، وفي ظلّ الحبّ المنهك سينبثق فجر ما هادئ وأموميّ. ستختفي مدن في الرّيح وسيأتي الربّ على غيمة لزيارتنا. أوَيَكونُ الحُبّ مجرّد وهم؟ يخفق قلبي اليوم بارتجافة غامضة للنّجوم ولكنّ سبيلي تتوارى في الضّباب الكثيف. النّهار حطّم أجنحتي، الألم والنّدم أغرقا الذّكريات عند نبع الشّعور. كلّ الورود بيضاء بياضها من بياض شجني، ليس ثمّة غير الورود البيضاء لأنّ الثلج تساقط عليها وانطفأ قوس قزح. الثلج يتساقط أيضا على أرواحنا. لثلج الرّوح ندف من قبلات، من صور تنغمر في الظّلام أو في نهار الخاطرة. ينزلق ثلج الورود، ويمكث ثلج الرّوح ومخلب السّنين يحيلها إلى كفن. فهل سيذوب هذا الثّلج، عندما سيأتي الموت ليأخذنا؟ هل سنعرف ثلوجا أخرى، و وروداً أكثر كمالا وبهاء؟ ...... أوَيَكونُ الحبّ مجرّد وهم؟ وجد لينعش حياتنا عندما يغرقنا في العتمة العلم بأسرار الخير الذي لا وجود له أو ربّما، الكروب المقبلة علينا؟ ....... إذا غدا اللاّزورد محض حلم فما عسى أن تكون.. البراءة! روح غائبة لا الثّور يعرفك ولا شجرة الزيتون، لا الخيل ولا النّمل الذي يسكن بيتك. لا الطّفل يعرفك ولا المساء لأنّك غدوت ميّتا وإلى الأبد. لا نتوءات الحجر تعرفك، ولا المخمل الأسود الذي تطلق، ولا ذاكرتك الخرساء تعرفك لأنّك غدوت ميّتا وإلى الأبد. سيأتي الخريف بقواقع محاره أعناب من ضباب وحشد من ذرى الجبال، ولكن لا أحد سيرغب في النّظر إليك لأنّك غدوت ميّتا وإلى الأبد. ولأنّك ميّت إلى الأبد ككلّ موتى الأرض، ككلّ الموتى الذين غمرهم النّسيان في كومة من كلاب خامدين. كلاّ، لا أحد يعرفك الآن. ومع ذلك فأنا أتغنّى بك أتغنّى للأيّام القادمة بطلعتك الوارفة برجاحة عقلك الرّائعة، باشتهائك الموت وطعم فمه بحماستك والحزن المتواري في ضحكتك. سيولد ولادة عسيرة، إن كتبت له يوما الولادة، ذلك الأندلسيّ الكريم الأصل، الممتلئ توقاً للمغامرة، إنّي لأغنّي لأناقة نفسه بكلمات نائحة، وأنا أذكر تلك النّسمة الحزينة وهي تلاعب أشجار الزّيتون. عزلة عزلة متخيِّلة على حجارة وورد موت وانبعاث وحيث، حرّا وحبيسا متجمّدا في تحليقه الأبيض ينحني الضّياء الجريح بالصّقيع. عزلة كأنّها صمت بلا قرار وهندسة بناء، حيث الخطوات المتردّدة للعصفور على سياج الشّجيرات الشّائكة لا تفلح في تثبيت لحمك المعتّم. فيك، أترك للنّسيان المطر المسعور لأوردتي، حزاميَ المزركش، ومحطّما سَلاسِلي سأكون وسط الرّمال زهرة وانية. وردة عُرْي على قماش من جير ونارا لا مبالية، حين تكون العقدة المنقطعة مغسولة بالقمر وعمياء، تُقاطع سكِينتكِ النّاعمة. عند جديلة النّهر تتغنّى البجعة ببياضها. صوت نديّ وليس بالفاتر ينساب من حنجرتها وما بين القصب تتمايل ثمّ تنهض منتصبة. بزهرة من دقيق طفل عارٍ يقيس الضفّة، فيما ترسل الأيكة موسيقاها الأثيرة في غمغمة من ذرّات بلّوريّة وخشب. تراتيل الخالدين تدور مفجوعة وهي تنشد الأبديّات. إيماءاتها المعبّرة تُؤلم نصفي الخارطة النّازفة للعزلات. القيثارة وأنينها يأخذهما هوس أعصاب من معدن مذهّب، فيا له من معزف وثير ويا لرنينه النّاعم الرّقيق، إنّه ينشد أيّتها العزلة مملكتك الموهوبة للصّقيع. بينما أنت، متمنّعة أمام الجذام الأخضر للصّوت، ليس هناك من ذرى ممكنة ولا شفاه مألوفة تبلّغك عمق نشيجنا. قصيدة الحمائم السّود على غصون الغار لمحت حمامتين داكنتين إحداهما كانت الشّمس و الأخرى.. القمر قلت لهما: «أيا جارتاي الخليلتين أين هو قبري؟ قالت الشّمس: إنّه في ذيلي وقال القمر: إنّه في جوفي» فيما كنت أتسكّع وبحزامي بعض من تراب لمحت نسريْن من ثلج وبنتا عارية كلاهما كان الآخر والبنت كانت لا أحد قلت لهما: «أيّها النّسران العزيزان أين هو قبري؟ قالت الشّمس: إنّه في ذيلي و قال القمر: إنّه في جوفي» على غصون الغار لمحت حمامتين عاريتين إحداهما كانت الأخرى وكلتاهما لم تكن أحدا. شروق قلبي البائس.. المفجوع يستشعر بأطراف النّهار أنين مغازلات مضت وخداع المسافات. ضياء الفجر يحمل معه بذور حنين و كآبة بلا أعين تتصاعد من أعماق الرّوح المدمّاة. لَحْد اللّيل يرفع حجابه الأسود ليواري مع إطلالة النّهار القبّة الرّحيبة.. الزّرقاء فما عساني أفعل على هذه الأرض أنا.. المنشغل بجمع الأغصان وأعشاش الطّير المطوّق بفجر أبلج وضّاء والرّوح تغشاها دجنة اللّيل السّوداء ماذا عساني أفعل إن أبقيت عينيك ذاهلتين أمام وهج هذا الضّياء إن غدا كياني لا يجد في نظراتك تلك اللجّة المتدفّقة الزّرقاء ليغرق.. ويتلاشى فيها حدّ الفناء إيه.. لماذا تراني فقدتّك وغدوت لا أمل لي في اللّقاء في هذا المساء المترع بالصّفاء لقد غدا قلبي اليوم قاحلا كنجمة.. عبرت فاحترقت وانجرفت إلى مهاوي الرّدى. القيثارة تبدأ القيثارة بالنّحيب. مع إطلالة الفجر تتشظّى الأقداح. تبدأ القيثارة بالنّحيب. لا جدوى من محاولة إسكاتها.. لا جدوى.. إنّه نحيب رتيب كنحيب الماء حين يجري، كنحيب الرّيح على الثلج المتساقط. لا جدوى من محاولة إسكاتها. تبكي على أشياء غدت منفلتة.. قصيّة، رمال الجنوب الحارقة التي تنشد أزهار الكاميليا البيضاء. إنّها تبكي السّهم الذي لا هدف له، المساء الذي لا ينتظر إصباحا، أوّل عصفور مات على الغصن. آه.. أيّتها القيثارة.. صاحب «الرومانسيرو جيتان» متحدثاً عن جذب «الدّوواندي» والحب الأندلسي نشيج الروح الإسبانية كان «الدّوواندي» موضوع محاضرة ألقاها لوركا سنة 1930، وكانت بمثابة عرض مبسّط يكشف الرّوح الخفيّة لإسبانيا الموجعة. قد تعني كلمة «دوواندي» (وهي كلمة لا مرادف لها في اللّغات الأخرى) في مخيال الشّعب الإسباني تلك الرّوح التي تأتي لتُربك راحة الأُسر في البيوت، ولكن لهذه الكلمة معنى آخر متغلغل في إقليم الأندلس، حيث يومئ «الدّوواندي» إلى ذلك السّحر الغريب، العصيّ على التّفسير، الذي يغشى الإسبان عندما تبلغ جماليّة الفلامنكو ذُروتها، فتُلقي بالعازفين والمغنّين والمستمعين في حالة شبيهة بالوجد، سرعان ما تتحوّل إلى حالة من الجذب. ويتقاطع هذان المعنيان للدّلالة على حضور سحريّ غامض وفارق. وإذا كان «الدّوواندي» في نظر لوركا ظاهرة كونيّة تلامس جميع الفنون، فإنّه يرى بأنّه يبلغ مداه خاصّة في الموسيقى والرّقص وتلاوة الشّعر، لأنّ هذه الفنون الإبداعيّة بحاجة إلى ترجمان، ولأنّ «الدّوواندي» روح خبيئة في الإنسان تحضر بقوّة في حفلات الفلامنكو، متسربلة في حركات الرّاقصين وأصوات المغنّين. ويدعونا لوركا كي نلج تلك الحالة، حتّى نتعرّف حقيقة، ومن الدّاخل على الرّوح الإسبانيّة. وتدقيقا للمعنى، يذهب لوركا إلى تعريف «الدّوواندي» بأنّه: « تلك القوّة التي يستشعرها الجميع ولا أحد يظفر بمعناها الحقيقي»، إنّها تلك القوّة التي تتملّك الفنّان التّائق إلى جعل عمله الإبداعيّ نابضا بإرادة الحياة، والذي - بصورة مفارقة - يتغذّى بقوّة شبيهة بالموت. ورغم أنّه لا تعريف «للدّوواندي»، فإنّ لوركا يسهب في توضيح ماهيته، مستندا إلى تعارض ثلاثيّ بينه ومفهوم الملاك، الذي يهدي ويعالج، وربّة الوحي والإلهام، التي تملي، ف «الدّوواندي» إحساس غريزيّ، حميميّ، ومرتبط بقوّة حيويّة تغازل الموت القادمة. ويقول لوركا في هذا المعنى: « يأتي الملاك، كما ربّة الإلهام.. من الخارج، فيمنح الملاك قبسات من نور، وربّة الإلهام.. رؤى وعلامات وأشكال، بينما يأتي الدّوواندي ليلهب الدّم كمرهم من شظايا الزّجاج، وذلك لأنّ «الدّوواندي» ينبعث من رحم الوجيعة ويجرحك، وفي التّعافي من هذا الجرح، الذي يبقى أبدا مفتوحا، تكمن غرابة ما يبدعه الفنّان، وخاصّة ما يثيره من تفجّر حارق لدى المتيّمين، المهووسين بفنّ الفلامنكو من راقصين ومغنّين وشعراء.. حين يسري لهب «الدّوواندي» في أوصال الشّعر.. وتغدو الكلمات نشيجاً من جمر. قصائد الحبّ الأندلسي أريد أن أكون وهدة القبر الذي ستوارين فيه حتّى أضمّك إلى صدري ما طال الزّمان وامتدّ الأبد ليقبل عليّ، وليمكث بجانبي كلّ من أسقمه وأضناه التّعب ليرى معي، إن كان ثمّة عزاء ونحن، حدّ انبجاس الدمّ.. ننتحب حين تدعينني إلى نسيانك فكأنّك تدعينني إلى التّبشير في أرض موات إلى طرق حديد مجمّد أو إلى التحدّث إلى أحبّة طالهم الهلاك والممات «إنّ «الكنتهور» (مغنّي الكوبلاس) حين يغنّي، إنّما تحمل صيحته احتفاء بطقس مهيب جليل، يجتني فيه الزّيوت العطريّة العتيقة.. الغافية، ليطلقها مع الرّيح، مكلّلة بأنفاسه.. تلك كلمات للوركا، مؤلّف «قصائد النّشيد العميق» و»الرّومنسيرو جيتان» التي لا تنسى. وكانت له أيضا هذه الكلمات: «الحزن هو الشّخصيّة الوحيدة للرّومانسيرو، الحزن الّذي يتسلّل داخلنا حدّ النخاع، ويسري في نسغ الأشجار، والذي لا علاقة له بالسّويداء أو بالاشتياق، ولا بأيّ تفجّع أو شكوى للرّوح، التي هي مشاعر سماويّة أكثر منها مشاعر أرضيّة: إنّ الحزن الأندلسيّ، نزال لأحاسيس المحبّة مع السرّ الذي يطوّقها، والذي لا تتوفّق في هتك حجبه». لا أزال أذكر كيف كنت أنهض في اللّيل، وأتسلّل لألصق أذني بسمّاعة جهاز راديو قديم، طالما بقي، وبحيطة مدهشة، مبعدا فوق خزانة قديمة، للإنصات لتلك الأصوات الخشنة والقاسية للنّشيد العميق. وإن وضع الغضب الأبويّ حدّا لتلك المواعيد القدسيّة، فإنّني، مذّاك.. وأنا أرتجف من الخشية، ولا أزال.. وحسبي الآن استدعاء ذاكرتي، كي أنصت من جديد إلى ذاك النّشيد، وهو يتفجّر، ويتدفّق في أعماق أحشائي الّتي تعصف بها العزلة والانفراد، نشيد يجأر، يتشظّى، يصاب بانحباس النّفس، فيغدو شاردا.. ثمّ لا يني يلتقي ذاته من جديد.. حالة يصفها جورج ديدي هوبرمان قائلا: «إيقاعات متناثرة، مدلّهة، معلّقة وكأنّها تائهة، ولكنّها دائما متجدّدة ومستجمعة..». لقد اكتشفت، دون علم منّي، ذلك التّواطؤ بين تلك الأصوات المثخنة بلسعات إيقاعات القيثار، والطّرقُ الأجشّ للأقدام: راقصين «زابيداووس» شكسين، ودقّ للأقدام مطقّس بشراسة. ولن يهجرني أبدا ذلك الإحساس بالتّواطؤ. بعد سنوات، وبريشة الكاتب السّويديّ أرتور لودغفيست، إنّها الغجريّة كرمان أمايا هي التي برزت فجأة. حينها، لم يكن لديّ عنها غير قصاصة جريدة مصفرّة، تتحدّث عن مرورها العاصف بباريس، وكيف أنّ فندق بأكمله كان يدوّي في أرجائه صدى صنّاجاتها العاجيّة، وكيف أنّ القبيلة المرافقة لها، كانت تأبى مفارش الموائد ولوازمها الفضيّة، وتؤثر الأكل على الزّرابي النّفيسة. هي تلك الرّاقصة المدهشة التي كان والدها يغمرها برعاية حانية، ويدعوها «الفاروا». كرمان أمايا ترقص «راقصة جمر ألقت به لنا العاصفة حمامة ازدردت باشقا بلا عشب ولا طحالب محشوّة بقصب تجلده الرّيح الجائشة بضفائر شعر وورود مقتلعة...» كارمن أمايا التي تكون تارة في مدّ أجنحتها المنشّاة، وطورا في ملابس رجاليّة، راسخة، كمصارع ثيران في قلب الميدان. ممصوصة الشّفاه، وكأنّ الموت يقبّلها من الدّاخل والحوْر النّحيف لأذرعها، منزوع اللّجاء ولا أثر للدّماء كما لا أثر البتّة لورقة متساقطة..» رقص، جسارة، نظرات من جمر.. ويطلق الدّوواندي كلّ سحره وتعاويذه، تتبدّى الأذرع مثل أقواس كاتدرائيّة باذخة في ضوء القمر، وبالأيدي تنتصب صلبان العذابات والفواجع، تتلوّى كرمان أمايا وتتوسّل، ملتمسة غفرانا مستحيلا. قفز، جلال، توان، ظهر يتقوّس، وشاح يتدحرج.. ثمّ صمت موشّح بالمخمل، ومتعة ممزوجة بألم الحبّ المسعور.. في رقص متجذّر، يخلّص بقدر ما يكبّل، ويقبض في آن، على القلب والرّوح والجسد. وحين تتوقّف الموسيقى، كما لو أنّها جُندلت بنصل حادّ، كتمثال محتدم.. تتجمّد الرّاقصة، بأعين مختومة ومهلوسة، وأيادي مطلوقة في حركة ختاميّة، وهي تحمل في راحتيها القربان. كانت كرمان أميا تسقط حينها على ركبتيها، وبتثنّ رشيق، تنهض كشعلة وسط الجمر، وقد أتمّت رقصتها حافية القدمين. منذ سنوات عديدة خلت، رأيت، ومن تحت تجاعيد شعره، غليان الحمّي على جبين ماريو مايا، وهو المجذوب والمسكون بشيطان الرّقص، هذا الفنّ الغامض للحركات والإيقاعات. وكان حينها يمزج خطواته بصوته. كما الترانيم المهموسة التي كان رفائيل روميرو يعدّلها، والتي كانت من حيث عمقها، أشبه ما تكون بطقس للصّمت. وإلى مثل تلك التّرانيم كان ينصت بيكاسّو، دالي، كوكتو.. «لتقبلي عليّ أيّتها الشّافية المعافية، ولتعالجي داء الحبّ الذي ينتهبني».. هذه كلمات من «لاباتنيرا» أغنية وأسطورة امرأة عادت لإغواء الرّجال والانتقام منهم، لأنّهم تركوها مهجورة. «ليرسل إليّ الربّ الموت إن كان يريد ذلك»، كلمات تنهي شكوى، بلا رنين للقيثار، يرافقها فحسب صدى وقع مطرقة على السّندان. ولكن.. لا شيء محدّد وثابت، لا المدّة ولا الكلمات. «اللّغة الشّعبيّة الأندلسيّة، هي تحديدا اللّغة الأكثر نقاء، لأنّها الأكثر أميّة، والرّجل المتعلّم ليس بوسعه الإيمان أو الإنصات أو الانفعال بالنّشيد العميق، لأنّه لا يرى في نبض هذا الفلامنكو الحيّ، غير مغنّ يطلق صوته عاليا، ليتحوّل هذا الصّوت من حين إلى آخر إلى صياح.. أغيجتاس المتمرّد، بجرس صوته البرونزيّ المرهق، بإمكانه أن يحتمل، ولكن بالكاد لمدّة عشر دقائق، صوته المشروخ المجدول بالعزلة والمطرّق بالقروح: « لم أعرف من أنا ولا ما سوف أكون أنا لوحة من وجع سقطت من على الجدار» « آه.. على طريق دي لا إيسلا وقبل أن أدرك أشجار البرتقال أطلقوا عليّ النّار تركوني ملقى على الأرض أناشد النّجوم هناك في السّماء العالية أن يأتوني بأمّي أمّي التي أحبّ أناشد النّجوم هناك في السّماء العالية أن يأتوني بأمّي لأنّي أموت من الأسى» وهل بالإمكان أن ننصت إلى صوت غيراوُو أو فيسينتي برادال وهو يردد: «إنّي أضمحلّ.. لأنّ الموت يهجرني» دون أن نصاب بالإرباك؟ فكما الباشق في سماء متّقدة، تنبعث جماليّات «اللّيل المعتّم». وفي تقديري، أنّ تلك التّغريدة هي الأكثر تأثيرا لفيسنتي برادال، الذي كان جدّه الأعلى معلّم لوركا في فوانتي فيكيروس. «في اللّيل نكون أكثر عراء، إذ نكون أكثر ترقّبا لتلك اللّحظة، لذاك القدر، ولكلّ عزلاتنا ومخاوفنا، التي تجتمع كيما ترتجف وتدوّي وترقص معا»، كما يقول جورج هوبرمان.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف