• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

بَحثَ عن إيمان مجرَّد من الوساطة الكهنوتيّة.. فاتُّهِمَ بالهرطقة

لوثر.. الإيمان مُحَرَّر ومُحَرِّر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 نوفمبر 2015

البروتستانتية هي في الأصل احتجاجٌ على وضع سائد، لتصير لاحقاً مرادفاً للإصلاح. وكلا الأمرين، الاحتجاج والإصلاح، هما رفض لأوضاع دينية بلغت مستوى متطورا من الاحتكار للقداسة من قِبل كنيسة روما، في زمن كان فيه المقدس ثروة وسلطة. لم تجد كنيسة البابا سبيلاً لنقْضِ ذلك «الإصلاح» سوى بنقيضه، وهو ما عُرف بـ «الإصلاح المضاد».

في واقع الأمر، كانت أصوليتان تتدافعان وتتخاصمان، في الأرض وفي السماء، إحداهما سائدة والأخرى صاعدة، حتى شاعت شيْطنة متساوية بين الطرفين، الكاثوليك والبروتستانت، كان كل طرف فيها يلوّح بشعارات القداسة. وصحيح أن الصراع الديني الذي شهدته أوروبا منذ تفجّر الإصلاح البروتستانتي، وأبرز محطاته حرب الثلاثين سنة (1618-1648م)، قد بدأ دينياً مع القرن السادس عشر، ولكنه انتهى سياسياً في القرن السابع عشر. وما كان صراعاً بين شقّين جليّين في البداية: «الاتحاد البروتستانتي» و»الرابطة الكاثوليكية»، تحوّلَ لاحقاً إلى صراع داخل كل شق، لعلّ ذلك منطق الفتن الدينية حين تتشظى وتتميّع الحدود، لتخلق تحالفات جديدة وواقعاً ما كان في الحسبان.

في البدء ما كان لوثر يرنو إلى تشييد كنيسة جديدة، ولا كان يفكر في إنشاء مذهب بحاله، فذلك كان بمثابة التجديف في الدين والهرطقة، ولكن شاءت التحولات أن تَصنَع «ديناً» جديداً. لقد استحوذ سحرُ العودة إلى النبع، المتمثل في المسيح و»الرسل» والآباء والإنجيل، على لوثر، وهو كَلَفٌ غالباً ما يراود الحالمين في الدين، في كل ملة ونحلة، بحثاً عن الطهر والنقاء، إنها أسطورة التعالي التي تجلت في شعارات اللوثرية «لا وسيط للخلاص إلاّ المسيح» و«كلٌّ بنفسه كاهن» و«يكفي بالكتاب المقدس وحده هادياً ودليلًا» و»بالإيمان لا غير يأتي الخلاص» (Sola fides). هكذا شاء لوثر للناس أن يغوصوا في الدين دون واسطة كهنوتية أو لغوية، ولذلك عمل جاهداً على ترجمة الكتاب المقدس إلى الألمانية حتى يهشم تلك السياجات اللاتينية، التي تحول دون ارتواء المؤمن من النبع، كما بدا له الأمر. (المترجم)

وُلد مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر 1483م في ايسليبن بألمانيا. كان طالبا موهوباً، حثَّه أبوه العامل في قطاع المناجم، بعد نيلِ دبلوم الباكالوريا، على دراسة القانون. وبحسب ما رواه لوثر عن نفسه، لاح قدره في ليلة من ليالي عام 1505، حين فاجأته عاصفة هوجاء، وظنّ أنه الفراق. صلى حينها للقديسة حنّة مستجدياً نِعَمها مقابل أن يكون راهباً. وعقب ذلك الاهتزاز قرّر أن ينضوي في دير رهبان القديس أوغسطين بإيرفورت، واعتبر تلك التجربة، على غرار من سلكوا طريق الرهبنة، بمثابة النداء الإلهي الخفي، حيث غاص في التمعن بعمق في أسرار الموت وفي سُبل الخلاص. إذ خان قلقُه الجارف حساسيتَه المرهفة، فهو شخص شكيك في أمره وفي أمر غيره أمام الأحكام الإلهية.

سِيمَ لوثر كاهناً في سنّ الرابعة والعشرين، ليرتقي لاحقاً إلى أستاذ في جامعة فيتنبيرغ مع عزم على السير في طريق الرهبنة والنسك. كان يرنو أن تقوده دعواه وتقواه إلى النعيم، لكنه بقي رهين التساؤل إن كانت أفعاله خالصة لوجهه تعالى. لم يقر له قرار، وكان مهووساً بانحدار نحو الشرّ، وأحسّ بعدم جدارته أن يكون كاهناً، ووسيطاً للمقدس.

بعدها وجد خلاصه في الكتاب المقدس، ولا سيما في القول الوارد في رسالة بولس إلى مؤمني روما: «كما هو مكتوب أما البارُّ فبالإيمان يحيا» (1: 17)، وبحسب تأويله، إذا ما آمن الإنسان بالإنجيل نجا. فليس الرب ذلك الحَكَم المنتقم كما تقدّمه الكنيسة؛ بل بخلاف ذلك هو إله الرحمة. ومهما كانت خطيئة المرء في حياته فإن محبة الله لا يسعها شيء. فليس الدين قانوناً للقهر بل هو إيمان للتحرر، كان ذلك الاكتشاف محورياً بالنسبة إلى لوثر. ومن ثمة لم ينفك عن تدبّر الإنجيل، وقد تخلص من الهموم الفردية للخلاص، حيث بوِسع المسيحي أن يعيش حياته وسط جماعة غير تراتبية وبوسع كل واحد أن يكون خادماً حراً للمسيح. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف