• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الوطن في دول «الخريف العربي» متآكل ومنقرض وضامر، وترى في كل دولة خياماً كثيرة ولافتات كثيرة ولا تكاد تلمح خيمة أو فسطاطاً أو لافتة الوطن.

العرب بين عود أعوج.. وعقل جمعي أعرج!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 نوفمبر 2015

عندما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد أن يستثمر عداء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يستميل مشركي مكة ليصدقوه، ويكون وسيلتهم للقضاء على الإسلام في مهده، فأرسل مسيلمة رسله في كل أنحاء الجزيرة العربية يدعو عن طريقهم إلى نبوته المزعومة.. وذهب أحد رسل مسيلمة إلى مكة واجتمع مع زعماء قريش، وراح يدعوهم إلى تصديق مسيلمة ويعدهم باقتسام خيرات اليمامة موطن مسيلمة معهم. وكان سياق الأحداث يوحي بأن دعوة مسيلمة ستجد أرضاً خصبة لدى كفار مكة بوصفها فرصة للانقضاض على الرسول الكريم وصحابته بالمدينة المنورة.. لكن القبلية العرقية انتصرت على القبلية الفكرية، وطغت قبلية العرق على قبلية الفكر، فقد رفض كفار مكة وزعماء قريش دعوة مسيلمة بن حنيفة الكذاب وطردوا رسوله، وقالوا جملة قبلية عرقية شهيرة وباقية في العرب إلى الآن وهي: كذاب بني هاشم خير لنا من كذاب بني حنيفة.

لم يحسبها كفار قريش بالعقل ولا بالمصلحة ولا بالفكر، ولكنهم حسبوها بالعرق والدم والعصبية.. وهي الحسبة التي انتهت تماماً مع اندلاع الفتنة الكبرى لتحل محلها حسبة أخرى ولافتة مغايرة هي لافتة قبلية الدين التي كانت أخطر على العرب من قبلية الدم والعرق، بل كانت الحالقة للدين نفسه. وقيل ويقال، إن قتلى العرب بأيديهم وباسم الدين بلغ أضعاف أضعاف قتلى العرب بأيدي من سميناهم ونسميهم أعداء الدين من العجم واليهود وغيرهم.

وبفعل القبلية المتجذرة في التركيبة النفسية العربية أصبح الدين عامل فرقة وخلاف، بدلاً من أن يوحد العرب. كالذي أتته آيات الله فانسلخ عنها وصار مثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وبدلاً من أن يرتفع بها أخلد إلى الأرض، وأكاد ألمح في هذا المشهد الذي صوره القرآن الكريم ذماً واضحاً للنظرة القبلية الضيقة التي تفصل كل الأفكار والمناهج والعقائد على مقاس العصبية القبلية، بل تجعل الدين تابعاً لا متبوعاً، ومقوداً لا قائداً، وهذا هو الانسلاخ عن آيات الله ومنهجه عز وجل، وهو ما يجعل المرء ضيق الأفق والنظرة يخلد إلى الأرض ويهبط إلى الهاوية بنفس الآيات التي ينبغي أن ترفعه إلى عنان السماء.

المشكلة تتلخص في الإناء العربي، وليست أبداً في السائل أو الفكر، أو المنهج الذي يوضع بهذا الإناء، ونحن دوماً منشغلون بتغيير الفكر أو المنهج، وغافلون عن أن المشكلة في الوعاء أو الإناء. هناك دائماً عواء حول صلاحية منهج ما وعدم صلاحية آخر، لكن لا يوجد عواء بشأن صلاحية أو عدم صلاحية الوعاء، والفرد العربي نفسه وعاء لما يحتضنه ويضمه عقله من أفكار ومبادئ ورؤى. والوعاء العربي على مستوى الفرد والجماعة وعاء قبلي مصنوع من مادة القبلية، وهذه المادة تصبغ كل الأفكار والمناهج والنظريات التي توضع في الوعاء.

المادة الخام للإناء العربي تتفاعل مع كل منهج أو فكر يوضع به، فيصبح الدين قبلياً والفكر قبلياً والسياسة قبلية، حتى السياسة صارت قبلية في الوعاء العربي، فالأحزاب قبائل والنقابات المهنية قبائل والتيارات التي يقال عنها سياسية قبائل..

وهكذا كان القوميون والبعثيون والناصريون والاشتراكيون والتقدميون، كانت كل هذه التيارات تتحرك وتتعامل بشكل قبلي كامل، وكل تيار يتمكن من السلطة يقسم الكعكة على المنتمين إلى قبيلته بصرف النظر عن الأحقية والأهلية والكفاءة، ومفهوم أهل الثقة وتفضيلهم على أهل الخبرة الذي ساد الأمة العربية، وما زال يسود دولاً كثيرة بها هو مفهوم قبلي صرف. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا