• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

فنون أسئلة وجودية بمشهدية متوازنة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 20 مارس 2007

إبراهيم الملا:

هل تتولد المأساة من قلب الفرح؟، وهل الأعراس هي وجه آخر للمآتم؟، ما الذي يمكن فعله لاستعادة الموتى والغائبين؟، وهل النسيان نعمة وفضيلة؟، هذه الأسئلة الوجودية وغيرها تراوحت وبمشهدية متوازنة بين سواد الخشبة والبياض العارم للأقمشة من خلال عرض: ''فتون'' الذي قدمه مسرح الفجيرة القومي ضمن عروض الدورة السابعة عشرة لأيام الشارقة المسرحية، كتب نص المسرحية شريف حبيب العوضي وأخرجها للخشبة حكيم جاسم، ويدخل هذا العرض في سياق الاشتغالات النصية والإخراجية الباحثة عن خصوصية ما، وعن مناخ مسرحي منشغل باقتراحاته وأسئلته، ففي الهدوء كما في الصخب، وفي التأمل كما في الاندفاع، يتعانق نص ''العوضي'' مع التقنيات الإخراجية لـ ''جاسم'' كي يتفتح العرض على أطياف ومسالك وحلول، تنتبه لحضور اللغة الفصحى في المسرح المحلي، وتشتبك في الوقت ذاته بأزمات إنسانية عامة تتخطى حاجز الزمن والمكان.

وعرض ''فتون'' هو العمل الرابع الذي يجمع بين شريف العوضي وحكيم جاسم بعد أعمال سابقة تمثلت في: ''استيشن'' العام ،2002 و''الميزان'' عام،2004 و''رماد الأيام'' عام ،2006 وهي أعمال كشفت عن التآلف الملحوظ بين النص والفعل الإخراجي، وعن نفاذية ومرونة بين الكتابة الأولى المتشكلة على الورق، وبين الكتابة الثانية المتشكلة في فضاء البروفة، وعرض: ''فتون'' الذي شاهدناه ليلة الأحد الفائت لم يخرج عن سياق هذه الشفافية الإبداعية المرصودة بين المؤلف والمخرج.

يبدأ العرض بفضاء معتم وفارغ سوى من قماشة بيضاء تظلل الخشبة ومنصوبة رمزيا على شكل خيمة، ونكتشف مع دخول فرقة موسيقية شعبية أنها خيمة أعراس، يتصارع تحت قبتها الوهمية والد العريس ووالدته، ( الممثلة أمل عيسى، والفنان حميد فارس) فيستعيدان محطات قاتمة من حياتهما، وتتوزع بينهما الخلافات حول تفاصيل قديمة وذكريات مرّة، وبعد انسحاب الفرقة وانطفاء العزف وخروج الأم والأب والعريس من الكادر، يدخل عازف الطبل (الفنان عبد الحميد البلوشي) ومعه عازف (الهبان) ـ الفنان عبيد الهرش ــ في عراء وعتمة المكان الصامت، فيتساءل عازف الطبل عن سرّ هذا الصمت الثقيل الذي يعقب الحفلات الصاخبة، وعلى هوى هذه الحوارات والتساؤلات يبدأ العرض في الدخول تدريجياً إلى منطقة المهمشين والمنسيين في هذا العالم المقرون بالضوء والضجيج والواجهات اللامعة، فنتعرف إلى قصة الطبال الذي كان يعمل في البحر وكيف أن عاصفة هائلة غيبت زوجته: ''فتون'' في ظلمات الموت، وأن حياته كلها تتأرجح بين حلم استعادتها وبين كوابيس فقدانها، ويشبه حياته بالسفينة المثقوبة التي لا تطفو ولا تغرق، أما عازف الهبان فيستدعي حياته الغارقة في البؤس والتي مرت على محطات الحياة ومباهجها ولكنها لم تتوقف ومضت مثل قطار أعمى نحو محطات الكهولة والعزلة، نرى بعدها العازف الثالث (الفنان خالد علي) وهو يدخل ثملاً ويبوح بمعاناته ومشروع زواجه الذي لم يكتمل بسبب مهنته المتواضعة التي لم ترق لوالد حبيبته.

في إحدى التنويعات البصرية الجميلة والمؤثرة في العرض رأينا عازف الهبان وهو يستغل الضوء المنعكس على المرآة التي يحملها ويقوم بتسليطه على نفسه وعلى الشخوص وعلى جمهور الصالة في دلالات وإشارات ذكية استغلها المخرج كي يقول إن لكل منا همومه ومآسيه الذاتية التي تحتاج لتسليط الضوء عليها، فبقع النور الصغيرة قد تتحول إلى منافذ لتسريب هذه العذابات وإخراجها من حيز الكبت إلى فضاء التلاشي والتبخر والنسيان.

ينتهي عرض: ''فتون'' بمشهد سينوغرافي وجمالي مكتنز بحمولات شعرية وفلسفية حيث تهبط الأقمشة على أرضية الخشبة وتتحول من خلال الحركة الجانبية في الكواليس وباستغلال الإضاءة الفسفورية إلى أمواج متقلبة وهائجة يغرق فيها شخوص العرض ثم ينجون ويذهبون نحو خلاصهم الفردي، على الرغم من كل الظلمات والمشقات، وهذه الأمواج كما يقول مؤلف العرض هي كالحياة تتجسد بين التضحية والتحدي، وبين اللقاء والفراق، بين الحب والقسوة، فالقسوة هي تجاهل الآخرين لنا، وهي الذاكرة عندما ننسى أن أقرب الناس هم من نقسو عليهم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال