• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

مارتن هايدغر المفكِّر (1)

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 مارس 2007

كان هناك شيء مفاجئ ظهر مع مارتن هايدغر في أول ظهور له من على ''منبر فرايبورغ'' بعد الحرب العالمية الأولى، ثمة شيء جديد، شيء لم يَسمع به أحدٌ من قبل، كنا قبل ذلك قد تعلمنا أن الفكرَ يرسمُ العلاقات، وقد بدا صحيحاً أن على المرء أن يضع، تأملياً، شيئاً ما في علاقة معينة، ومن ثم يكوّن عبارة ما عن هذه العلاقة؛ وهذه العبارة سُميت حكماً .A judgment وبدا التفكير أنه عملية تنتقل تدريجياً من علاقة إلى أخرى، ومن حكم إلى آخر. ولكن فجأة وإذا بنا نتعلَّم أن الفكر هو ''إظهار''، و''حمل شيء ما على إظهار نفسه''، فكان هذا حدثاً بالغ الأهمية، يشعر المرء فيه بأنه مقتلع بفعل خطى هيدغر على سطح التقدُّم التأملي، ويشعر أن كلماته التنويرية تقودنا إلى اتجاه جديد كلياً.

إن هذا العرض المبهم من هايدغر، وهو عرض غدا فيه تراث ظاهراتية هوسيرل أقوى وأكثر فاعلية، أدّى إلى تجسيد موضوع الفكر الشائع، بصرف النظر عن طبيعته، فأصبح دائرياً، ثلاثي الأبعاد؛ لقد كان موجوداً هناك da، وكان المرء يواجهه دائماً؛ لأن كل منعطف فكري يحيل دائماً على الموضوع نفسه، فنحن كنا معتادين فكرياً أن ننشغل بالانتقال من فكرة إلى أخرى، أما هنا فبقينا ننشغل بثبات بالموضوع نفسه. ولم يكن ذلك لغرض جعل الموضوع مرئياً بأن يُمنح صورة زاهية كما في التحليل الشهير الذي أجراه هوسيرل للشيء المدرك حسياً ولتدرّجات ظلاله، بل في الحقيقة إن جرأة وجذرية الأسئلة التي أُلقيت على الحاضرين كانت تحبس الأنفاس تماماً.

وربما ذهبت بالمرء الظنون ليتخيل، آنذاك أن ما يجري لا بد من أن يكون مشابهاً لما كان يجري للأثينيين عند نهاية القرن الخامس ''قبل الميلاد''، عندما دُشِّن فنٌ جديدٌ في التفكير، أي ''الجدل''، فانغمس الشباب الأثينيون في ولع حماسيٍّ؛ ولقد صور لنا ذلك أريستوفانس على نحو رائع، ولم يَمنح سقراط أي امتيازات في هذا الشأن، فبدت النشوة الثملة التي تبتعثها في النفوس تساؤلات هيدغر، في مرحلة فرايبورغ المبكِّرة وفي سنوات ماربورغ، شبيهة بحالة الأثينيين، كما أنه لم يفتقر إلى الأتباع والمقلدين فكانوا يبحرون خلفه، ويحاولون التغلب على تساؤلاته، وفي أثناء ذلك يقدمون صورة ''كاريكاتورية'' للزخم المتقد لتساؤلات هايدغر وتفكيره، غير أن جدية جديدة دخلت، أيضاً، إلى العمل الفكري بوصول هايدغر. فالتقنية الصارمة للتمارين الفكرية الأكاديمية بدت لنا فجأة مثل عبث محض، وعلى المرء ألا يغالي في القول حدَّ الزعم أن هذا الجو كان ذا أثر ثابت طويلاً في الجامعات الألمانية، فنحن الذين كنا شباباً آنذاك وجدنا أُنموذجاً عندما بدأنا محاولاتنا الأولى في التعليم، إن وقاراً جديداً للصوت الحي، والتوحيد التام بين التعليم والبحث، قد دخلا المشهد مع العمل الخطر لتلك التساؤلات الفلسفية الجذرية، فنُبذت الوتيرة التي كانت تجري عليها الدروس، إذ كانت المحاضرة تُهمل لأن الأستاذ كان لا يزال مشغولاً بعمله الخاص، فكان هذا ما حدث في عشرينيات القرن الماضي؛ ذلك أن لهايدغر تأثيراً يتعدى اختصاص الفلسفة.

لم يكن هذا مجرد فن جديد، أو قوة حدسية تُستخدم لتبرهن مرة أخرى على القيمة التي تتمتع بها حرفة فكرية، لقد كان شيئاً آخر أكبر من هذا بكثير. فقبل كل شيء، كان ثمة حافز جديد استحوذ على فكر هايدغر أحدث تحولاً تاماً، فنحن هنا أمام فكر حاول أن يفكر في البداية أو البدايات ذاتها، ولكن لم يحدث ذلك بالتأكيد على غرار الكانطية المحدثة وظاهراتية هوسيرل ''بوصفها علماً دقيقاً''، فكان هناك بحث عن بداية تقوم مقام أساس نهائي يتيح تنظيماً واستنتاجاً منهجييْن لجميع القضايا الفلسفية؛ بداية موجودة في مبدأ الذات المتعالية، غير أن تساؤلات هايدغر الجذرية كانت ترمي إلى أصالة أعمق من تلك التي كان يُبحث عنها في مبدأ الوعي الذاتي. وبهذا الخصوص كان هايدغر ابناً لقرن جديد، قرن هيمن عليه نيتشه، والنزعة التاريخية، والفكر الذي أشاعته فلسفة الحياة، كما رفع هذا القرن لواء الشك في وجه جميع البيانات التي تدور حول الوعي الذاتي.

في محاضرة مبكرة بفرايبورغ، استطعتُ الحصول عليها من خلال ملاحظات فالتر بروكر، تحدث هايدغر عن ''ضبابية الحياة'' بدلاً من أن يتحدث عن ''مبدأ الإدراكات الواضحة والمتميزة للأنا أفكر''، والقول إن الحياة ضبابية لا يعني أن سفينة الحياة الصغيرة لا تستطيع أن تتبين أفقاً واضحاً وحراً يحيط بها، كما لا تعني الضبابية، ببساطة، أن رؤية المرء غائمة؛ إنما هي تصف بالأحرى التكوين الأساسي للحياة بحد ذاتها، أي لحظة الحياة نفسها. فهي تلفّ نفسَها بالضباب، وهنا يكمن التوتر الباطني، إنه الصراع الداخلي الذي أشار إليه نيتشه: فليس المهم أن تكافح من أجل الوضوح، ومن أجل أن تعرف فقط، إنما المهم، أيضاً، هو أن تتلفَّع بالظلمة، وأن تنسى.

وعندما أشار هايدغر إلى التجربة الأساسية لمفهوم الحقيقة ''الأليثيا'' عند الإغريق، أي اللاتحجُّب، لم يَعنِ ببساطة أن الحقيقة غير معروضة بشكل مكشوف، وأن التحجُّب يجب أن يُنزع عنها كما لو كانت غنيمة، إنما كان يعني أن الحقيقة كانت دائماً عرضة لخطر التقهقر إلى الظلمة، وأن الجهود المبذولة من أجل صبّها في مفاهيم يجب أن تسعى لمنع الحقيقة من التقهقر، وحتى هذا التقهقر ينبغي أن يُنظر إليه على أنه حدث للحقيقة.

هانز جورج غادامير:

ترجمة: علي حاكم ـ كوبنهاجن