• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

بين «حريم السلطان» و«حرمة» أردوغان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 14 مارس 2016

عائشة المري

لاقى المسلسل التركي المعروف «حريم السلطان» رواجاً منقطع النظير بين الجمهور العربي، وهو يدور في عهد السلاطين وحريم السلطان متخذاً «الحرملك» ساحته مكرساً في المخيلة المعاصرة جماليات عهد الجواري، مؤطراً العلاقة بين الرجل والمرأة بعلاقة السيد والعبد في تفاصيل من المكائد النسائية والفتن، ولسبب ما صادف المسلسل المدبلج استحسان المشاهد العربي الذكر خصوصاً. ومع ذلك يبقى الخيال خيالاً والمسلسل أداة للترفيه بالدرجة الأولى ومصيدة تجارية للمشاهد، ولكن الأعجب من ذلك أن تصرح السيدة التركية الأولى أمينة أردوغان، بأن نظام «الحرملك» الذي كان سائداً إبان عصر الإمبراطورية العثمانية كان «مؤسسة تعليمية أعدت النساء للحياة». وهو ما يثير التساؤل والاستنكار. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يوم الثلاثاء الماضي: «بالنسبة لي فإن المرأة هي أم بالدرجة الأولى». مضيفاً: «من المهم أن يتنامى عدد السكان لا أن يتقلص» مشيراً إلى أن عدد السكان في تركيا يتنامى ولكن ليس بالسرعة الكافية. وأوضح قائلاً «هنا نحن نسير ببطء». ولم تكن تصريحات السيدة التركية الأولى ولا زوجها مفاجأة، فهي منسجمة مع الأساس الفكري لحزب التنمية والعدالة، ومع الفكرة التي طالما بشر بها الساسة الاتراك وهي عودة «العثمانيين الجدد». ولكن الصدمة كانت في التغزل بنظام «الحرملك» وتقديس ممارسات الحقبة السلطانية متجاهلين الحقائق التاريخية، مكرسين نظرة خيالية لأزمان الحريم. في الثالث من مارس عام 1924 سقطت السلطنة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك منهياً 600 عام من حكم السلاطين العثمانيين، وبدأ عهد الجمهورية التركية على أسس علمانية، فاستبدل الطربوش بالقبعة واستخدم الأحرف اللاتينية بدلاً من الأحرف العربية في الكتابة، وغدا الجيش حامياً لعلمانية الدولة التركية. لقد ساهمت علمنة الدولة التركية في صعود حزب التنمية والعدالة مع مجيئه، وقد استند الحزب على ثلاثة توجهات استراتيجية تحكم سياساته، وهي: نظرية التحول الحضاري التي أعادت صياغة رؤية «تورغوت أوزال» للفضاء التركي للمصالح وتحويله إلى فضاء إسلامي ممتد من حدود الصين إلى المغرب. والنظرية الثانية هي نظرية العمق الاستراتيجي التي وضعها أحمد داود أوغلو بناء على موقع تركيا الاستراتيجي. أما النظرية الثالثة فهي نظرية «العثمانيين الجدد» وكان أحمد داوود أوغلو أيضاً أول من أقر، في 23 نوفمبر 2009، بأن حكومة أردوغان تمثل «العثمانيين الجدد» قائلاً: «إن لدينا ميراثاً آلَ إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد. نعم نحن العثمانيون الجدد». يقول الساسة «العثمانيون الجدد» إنهم لا يهدفون إلى إعادة إحياء السياسات التوسعية للدولة العثمانية، وإنما تحقيق متطلبات أساسية تحتاجها السياسة التركية وهي: أولاً، أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية وتعتز بماضيها «العثماني» المتعدد الثقافات والأعراق. ثانياً، أن تستعيد تركيا حس العظمة والكبرياء العثماني وهو ما طبق حرفياً بافتتاح القصر الرئاسي التركي في أواخر عام 2014 المنشأ وفق تقاليد العمارة التركية التقليدية، بما في ذلك العمارة العثمانية والسلجوقية وقد ووجه بانتقادات واسعة من المعارضة السياسية لتكلفته الباهظة. ثالثاً، الانفتاح على الشرق والغرب في الوقت ذاته. لقد اعتمد «العثمانيون الجدد» على القوة الناعمة كأداة من أدوات السياسة الخارجية التركية ممثلة في المسلسلات التركية ومن «مهند» إلى «حريم السلطان» وقصور السلاطين و«الخلافة» الإسلامية التركية. واليوم تستدعي تصريحات «العثمانيين الجدد» وقفة عربية جادة ففكرة إحياء «الخلافة الإسلامية» وعصر السلاطين العثمانيين والعودة إلى عصر الجواري والحريم وما ملكت أيمانهم والاستئثار بالسلطة المطلقة وإحياء مآثر الأسلاف، ولكن في تشابه غريب مع فكر «الخلافة» الداعشية!

     
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا