• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

جمال الغيطاني في شبابه يخاطبنا اليوم

فرص أخرى للحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 أكتوبر 2015

استطاع جمال الغيطاني أن يكرس نفسه في صدر الأقلام القصصية والروائية في مصر خلال فترة وجيزة، يمكن تحديد بدايتها بأواخر الستينيات، حيث كانت - كما يؤثر هو أن يقول تجربة 1967 قد صهرت جيله، وبرزت أسماء عديدة، ونشطت الحركة الأدبية. وإن كان ذلك لم ينته اليوم إلا إلى أقل القليل، لجملة من الأسباب المباشرة، وغير المباشرة، والتي يرى الغيطاني أبرزها في إيقاف المجلات الثقافية الجادة، وظهور بدائل هزيلة مثل مجلتي (الثقافة الجديد)، وبروز عناصر غير موهوبة، وإغلاق أبواب النشر في وجه الأقلام الجادة والموهوبة، مقابل فتح الفرص الخيالية أمام من لو كانوا يملكون أي قدر من الموهبة لكانوا قد غدوا عمالقة. ويسمي الغيطاني من هؤلاء (الحمامصي، فتحي سلامة، إسماعيل ولي الدين). ويضرب مثلاً بفترة تولي صالح جودت لمجلة الهلال وسلسلة روايات الهلال.

في منتصف الليلة الأولى فيما عُرف بأحداث 17 و18 يناير العام 1977، وصلت إلى القاهرة، قادماً من دمشق. وبعد أيام كان يحبس منعُ التجول لياليها، التقيت جمال الغيطاني أول مرة، حيث كان يعمل في جريدة «أخبار اليوم». وقد أرسى ذلك اللقاء لصداقتنا التي ما فتئت تتعزز منذ كنا آنئذ في الثانية والثلاثين من عمرنا.

في رحلتي تلك إلى القاهرة، والتي امتدت أسبوعين هما ما كانا العطلة الانتصافية التعليمية في سورية، التقيت لأول مرة أيضاً مع أمل دنقل وفاروق عبد القادر ومجيد طوبيا وسليمان فياض من الراحلين.

ومع جمال وهؤلاء، ومع صنع الله إبراهيم الذي كنت قد التقيته قبل سنوات في مدينة جبلة، مارست الصحافة لأول ولآخر مرة، إذ أجريت حوارات معهم بتكليف ترك لي حرية الاختيار، من الشاعر الراحل محمد عمران، والذي كان رئيس التحرير للملحق الثقافي لجريدة «الثورة»، ذلك المنبر الصحفي البالغ الأهمية في الحياة الثقافية السورية، والذي ظهر فيه أو استقطب أبرز الأقلام السورية الشابة والمعمرة: ممدوح عدوان والطيب تيزيني ومحمد جمال باروت وسعدالله ونوس ووليد إخلاصي وأدونيس والفنان مصطفى الحلاج ورياض الصالح الحسين و...

لمبدعٍ كبير مثل جمال الغيطاني، أظن أن من الأهمية بمكان أن يعاد نشر الحوار المبكر الذي أجريته معه ونشر في 17/‏3/‏1977. فالحوار يضيء ما كان يشغل جمال الغيطاني من هموم عامة وخاصة، وما كان يشكو منه في الحياة الثقافية المصرية والعربية، وهذا ما تزيده إضاءةً وإثراءً الرسائلُ الثلاث التي أرسلها لي في عامي 1977 و1978. ففي الرسائل والحوار يتحدث جمال الغيطاني عما أنجزه، وهو كثير وهام، في مستهل حياته، كما يتحدث عن مشروعاته وطموحاته وأحلامه، وليت رسائلي إليه في حوزتي، لأرى كيف كانت شواغلنا تتفاعل قبل قرابة أربعين سنة.

هل من الممكن منحنا فرصة أخرى لنحيا من جديد: يتساءل جمال بمرارة وقنوط في رسالة، ويحكم على العمر القصير الذي كان قد عاشه (32 سنة) بأنه أحلام يقظة، وبالعامية البليغة: غير محسوب. ولطالما أعاد جمال صياغة هذا السؤال وردده في خلواتنا طوال العقود الماضية، كما كان يجهر بالسؤال أحياناً في لقاءات عامة وفي بعض الشهادات التي قدمها للصحافة المقروءة أو المرئية أو للمنابر. ولئن كان جمال مضرب مثل بالعمل اليومي الدؤوب في الصحافة والكتابة الإبداعية والنشاط الثقافي والأسفار، فقد كان يردد في (تجلياته) أننا صحونا متأخرين، أي إننا قد ضيعنا من العمر كثيراً، ولذلك لابد من حياة أخرى، لعلنا ننجز فيها بعض أحلامنا. وتتأسس مثل هذه الأفكار في النزوع الصوفي لجمال منذ شبابه، كما تجلى في كتاب (التجليات)، حتى بلغ ما يمكن القول معه إنه مفصل حاسم في التجربة الحداثية الروائية العربية. وفي هذا المفصل مما يسميه بعضهم صوفية الرواية أو الرواية الصوفية، وأسميه بالفعل الصوفي في الرواية، تميزت وتضافرت بخاصة تجربة جمال الغيطاني مع تجربة إدوار الخراط، واستقطبت روايات شتى مما كتبه الطاهر وطّار وعبد الخالق الركابي وسارة الجروان ويحيى القيسي ومويلم العروسي و... وإذا كان هذا المفصل الصوفي علامة فارقة لإبداع جمال الغيطاني، فهناك مفصل حاسم آخر، وعلامة فارقة أكبر، تجعل المرء يقول بالبلاغة الروائية الغيطانية، والتي تأسست في التراث السردي الزاخر وفي مقدمته ألف ليلة وليلة وحفريات الغيطاني الروائية في التاريخ، منذ الفاتحة الذهبية لكنزه السردي، وأعني رواية «الزيني بركات» التي صدرت أول مرة في دمشق عام 1974، وبها كانت البذرة الخصيبة الأولى لصداقتنا قبل أن نلتقي في جريدة أخبار اليوم ثم في (مسام) القاهرة التي يندر أن تكون لأحد بها خبرة مثل خبرة جمال الغيطاني، وربما، حتى شيخه وشيخنا جميعاً: نجيب محفوظ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف