• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

انتفاضة القدس أربكت الإهمال الدولي وألقت خطاباً جوهره أن الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن يتم نسيانها

الانتفاضة الفلسطينية ضربة لنظرية «جابوتنسكي»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 27 أكتوبر 2015

الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل، أعادت تدوير البوصلة إلى حيث يجب أن تكون، وأرجعت مسألة العلاقة مع إسرائيل إلى نصابها الحقيقي: مقاومة ضد محتل مستعمر استيطاني. جاءت الانتفاضة في وقتها لأنها قالت الكثير ولأنها عنت الكثير، جاءت تحمل رسالة راسخة ومتجددة تؤكد خسران الرهان الصهيوني على قدوم أجيال فلسطينية عزيمتها أقل من أجيال النكبة والفداء والثورة، أجيال ستنسى ما حدث وتقبل بالوضع القائم الذي أساسه الهزيمة وقبول اشتراطات المستوطن الكولونيالي، في قلب التفكير الإسرائيلي الصهيوني تكمن المراهنة على الزمن الذي سيعمل، بحسب الأمنيات الصهيونية، على خفوت الحقوق الفلسطينية، وخفوت المطالبة بها خلال عقود من اللجوء والشتات أو تثبيت الأمر الواقع العسكري والاحتلالي الباطش.. من هاجر ولجأ إلى خارج فلسطين لن يستطيع أن ينقل حرارة اللجوء والانتماء والذاكرة إلى الجيل الذي يولد في المهجر، ولم ير يوماً القرى والمدن والأرض التي يحدثه عنها الآباء، ستشتغل آلة النسيان الجبروتية وتُدمج الأجيال الفلسطينية الجديدة في عوالم بعيداً عن فلسطين، أما تلك الأجيال التي تولد في داخلها، فتشتغل عليها آلة التهجير المباشر وغير المباشر، لطردهم تدريجياً من البلاد.

الهبة المقدسية الراهنة لطمت هذه الأطروحة الصهيونية ، وأجبرت الغالبية من الإسرائيليين على تأييد الانسحاب من القدس الشرقية، لسان حال الشبان الذين حموا الحلم الفلسطيني يقول: كيف تأملون من النسيان، وتطلبون من يهود العالم بأسره أن يتذكروا أساطير وخرافات مر عليها ثلاثة آلاف سنة، ويحملوها ليأتوا إلى أرض فلسطين، الأطروحة الصهيونية بالغة الوقاحة لأنها هي ذاتها قائمة على الذاكرة وتقديسها رغم خرافاتها.

اللطمة الثانية التي وجهتها الهبة الشبابية المقدسية في وجه الفكرة الصهيونية تأتي من زاوية تكسير نظرية «الجدار الحديد»، التي جاء بها فلاديمير جابوتنسكي، أحد قادة الفكر الصهيوني المتطرف، في عشرينات القرن الماضي.. جابوتنسكي قال إن عرب فلسطين لن يقبلوا بمستوطنين غرباء يأتون من أقاصي الأرض ويأخذون أرضهم، وسيقاومون بكل قوة، ولهذا لابد من إخضاعهم بالقوة الجبارة حتى يفهموا أن بينهم وبين هؤلاء القادمين جدارا من الحديد لا يمكن قهره ولا اختراقه. وهم، أي الفلسطينين، لن يهدأ لهم بال، ولن تخفت مقاومتهم إلا بعد أن يدموا رؤوسهم وهم يضربونها في الجدار الحديد، ويقتنعون بالهزيمة، بعدها، وبعدها فقط، يمكن التفاوض معهم وبحسب شروطنا نحن.

نظرية جابوتنسكي هذه احتلت مع الزمن قلب الإستراتيجيات الإسرائيلية، يمينها ويسارها، وأثمرت لاحقاً اتفاق أوسلو الذي جاء بحسب المقاس الإسرائيلي طولاً وعرضاً، الهبة المقدسية هي تمرد على نظرية الجدار الحديد، وإعلان بأنها لم تنجح ولن تنجح طالما هناك شعب حي في فلسطين وأجيال شابة متمسكة بفكرة المقاومة والهوية الوطنية.

الرسالة الثانية لهذه الهبة ضد إسرائيل واحتلالها هو عفويتها الشعبية وانطلاقها من قلب الرفض الفلسطيني العارم، ويمكن أن نقرأ على هامش متنها، إدانة مبطنة لكل تلك القيادات التي خيبت آمال الفلسطينين على أكثر من صعيد، أهمها صعيد بناء التوافق الفلسطيني وإنهاء الانقسام الذي قدم خدمة تاريخية لإسرائيل لم تكن تحلم بها.

الرسالة الثالثة إقليمية تعيد ترتيب مسألة الأولويات والقضايا، وتعمل على إعادة فلسطين وقضيتها وحقوقها على رأس الأجندة السياسية. في غمار الحروب والتنافسات الإقليمية والحطام الذي ينتشر في المنطقة ضاعت فلسطين، وتحالفت التدخلات الخارجية وحروبها، مع الغباء الأصولي والأطماع الإيرانية المتعاظمة على إزاحة فلسطين عن المشهد، وإحلال قائمة طويلة من القضايا والأزمات التي شغلت الدول والرأي العام، يتحمل أولئك جميعاً، ومن دون استثناء إغراقنا وإغراق المنطقة في وحل الصراعات والحروب الداخلية التي لا طعم لها، والتي كلها خدمت ولا تزال تخدم إسرائيل. انتفاضة القدس وشبانها في طول وعرض فلسطين أعادت وهج فلسطين ومركزيتها إلى تلك الأجندة التي لا تريد التخلص من عبء تلك القضية والانتهاء منها.

الرسالة الرابعة للهبة المقدسية البطولية كانت دولية، وهي نسخة موسعة عن الرسالة الإقليمية.. انتفاضة القدس أربكت الإهمال الدولي وألقت خطاباً من ساحات القدس كان أهم من كل خطاباتنا فوق كل المنابر، جوهره أن الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن يتم نسيانها، ومن دون أن تنجز على الأرض فإنه لا استقرار في المنطقة. وإن كل مرحلة وكل جيل من أجيال فلسطين عنده العبقرية الخاصة به لمواصلة المقاومة من أجل تلك الحقوق.

د.خالد الحروب*

*أكاديمي وكاتب عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا