• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

محمد برادة: الإبداع العربي بدأ يستنطق المسكوت عنه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 27 فبراير 2007

المغرب - محمد نجيم:

اعتبر الناقد والروائي المغربي المعروف: محمد برادة ظهور كتاب ''الايديولوجيا العربية المعاصرة''، الذي أصدره المفكر والفيلسوف المغربي البارز عبد الله العروي في طبعته الفرنسية سنة 1967 تعبيرا ناضجا وشاملا عن الأزمة التي كنا نعيشها، موزعين بين تعثرات السياسة ودوران الأدب والفكر في ما يشبه الحلقة المفرغة، بل أقول إن الأستاذ العروي استجمع ما كان يراودنا من دون أن نتوفر على الكفاءة والأداة الملائمتين لبلورته وصياغته، وأنا أرجع أهمية هذا الكتاب، قبل كل شيء، إلى إلحاحه على أن نتعلم كيف نحلل الظاهرات والإشكاليات من منظور تنسيبي متباعد عن المطلقية والتقديس، لكن من دون أن نتخلى عن المنظور الكوني الذي بات أكثر فأكثر، الأفق المشترك لتحولات العالم منذ السبعينات من القرن الماضي.وفي لقاء احتفائي خص به اتحاد كتاب المغرب الأستاذ برادة ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب المنظم مؤخرا في الدار البيضاء قال برادة متحدثا عن بداياته في الممارسة النقدية: ''بعد عودتي من إقامتي الدراسية بفرنسا سنة ،1973 كنت مقتنعا بضرورة التعريف بجميع الاتجاهات والمناهج النقدية، أساسا عن طريق الترجمة، ليتمكن الطلبة والباحثون من التعامل معها في سياقها ونسبيتها، ولتصبح أداة إجرائية بدلا من أن تظل خلفية استشهادية راجحة، تلغي الاعتماد على النصوص والاحتكام إلى التأويل المشروط بذائقة المتلقي وتكوينه المعرفي والثقافي... وأظن أن هذا الإشكال لا يزال قائما بشكل أو بآخر، ذلك أن مواكبة الاتجاهات النقدية الأوروبية والعالمية، تبدو مجزأة وغير شاملة نتيجة لافتقار الجامعات العربية ومراكز البحث إلى التنسيق والتخطيط من جهة، ثم الانسياق إلى إعادة إنتاج إشكالية مغلوطة صيغت بعض مكوناتها في السبعينات من لدن خصوم النقد الحديث، ومفادها أن ما ينتجه النقد العربي لا يعدو أن يكون استنساخا مشوها للنظريات والمصطلحات والمناهج الغربية، ما يؤدي إلى الاختلال والتطبيقات المحرفة، والتشريحات النصية المعتمدة على المسطرة والمقص والمبضع... والواقع أن مياها كثيرة جرت منذ السبعينات في حقلنا النقدي، وحدثت تحولات ملحوظة في مضمار التعالق مع الحركة النقدية الغربية من حيث دقة الاطلاع على المصادر بلغتها الأصلية، والالتفات المتزايد إلى النصوص العربية، لأجل ذلك، تحتاج هذه الإشكالية إلى تحليل ونقاش جديدين حتى نخرج من هذا الطرح المغلوط في نظري: إننا لا نستطيع الاستمرار في طرح هذه المسألة من منظور مدى تمثلنا واستيعابنا للمناهج والمصطلحات النقدية في العالم، لان ذلك متعذر أساسا بسبب تباين مسار تكون الحقلين الأدبيين، وبسبب أن استيعاب الجوانب النظرية لذلك النقد ليس بالضرورة عاملا ضامنا لارتقاء الإنتاج النقدي العربي. لهذا فأنا مقتنع أكثر بالانطلاق من الغائية التي نتصورها للنقد، والأسئلة التي نعتبرها مسعفة على إنتاج خطاب يستكنه مضمرات النصوص الإبداعية ويجلي ما تنطوي عليه من دلالات ومعان تضيء على مدى أوسع دور المتخيل الاجتماعي في بلورة قيم ملائمة لمعضلات التاريخ وتحدياته. وهذا لا يعني الإعراض عن المنجزات النظرية والمنهجية في مجال النقد العالمي، وإنما هو إلحاح على مراجعة المسار باتجاه إعادة النظر في وظيفة النقد على ضوء تحولات الإبداع وبتماس مع أسئلة المجتمع والثقافة داخل كل مجتمع عربي.

إن إعطاء الأولوية لإنتاج خطاب نقدي يتفاعل مع النصوص الإبداعية والأسئلة الثقافية سيتيح الخروج من سباق موهوم نحو استيعاب المناهج والتصورات النقدية الغربية كما تحققت في سياقاتها وضمن أسئلتها، بكلام آخر، علينا أن ننخرط في إنتاج خطاب له وظائف متكاملة داخل تفاعل الثقافة والتاريخ حتى نتحرر من مطلقية الفهم والتقييم ، ونلتصق بصيرورة النسبية ومنطق الحراك الجدلي.

ما يعزز هذا الحدس، هو أن الإبداع في المغرب والأقطار العربية، يعرف الآن انطلاقة لافتة تستنطق المسكوت عنه، وتكشف تجليات الأشكال في تنوعها غير المحدود وتعيد لفكر اللغة الإبداعية وظيفته المتصلة بإثراء الإدراك والتواصل، وتوسيع رؤيات أوسع إلى العالم، من ثم، فان الخطاب النقدي المتحرر من أسيجة القواعد والمفاهيم المسبقة أو المستعارة من سياق خاص، يستطيع أن يلتقط إضافات الإبداع ويضطلع بدور الوسيط المبلور والمحفز، وأن يبتدع لغته التي لا تقف عند حدود اللغة الواصفة.

إلا أن ما يستحق الإبراز، هو أن هالة الناقد الشامل، المؤثر بقوة في مجموع الحقل المجتمعي، قد تلاشت لأسباب موضوعية تتصل بالتبدلات التي عرفتها الثقافة ووسائطها، وكذلك الأدب ومختلف أشكال التعبير. لذلك، يبدو لي أن موقع الناقد انتقل من مستوى المواجهة الإيديولوجية المباشرة إلى مستوى المجابهة التحليلية والفكرية في مجال الصراع بين ثقافة الاستهلاك وغسل الأدمغة وتخدير المشاعر، وثقافة الانتقاد والمناهضة والمراهنة على قيم التنوير. وطبيعة الصراع هذه، هي التي تحدد أفق النقد في وصفه محاورا ومساندا للأدب الذي يقاوم إلغاء الدلالة وتشييء الإنسان وإخضاعه لما هو قائم وموروث.

من هذا المنظور ، يخيل إلي-بقول برادة - أن السؤال الذي يلاحقني، وأظن أنه يلاحق آخرين في المغرب والمشرق، هو: كيف نعيد، راهنا، تحديد الوضع الاعتباري للنقد على مستوى النظرية والممارسة، بترابط مع موجات الإبداع المتدافعة، وعلى ضوء اختلاط الخطابات وتشابكها، ومزاحمة الوسائط الرقمية التعبيرية، وفي ظل شروط إنتاج الأدب والنقد داخل مجتمعاتنا؟

بعبارة أوضح : كيف يستأنف النقد العربي مساره معتمدا على حصيلته المنجزة وتفاعله مع المناهج العالمية، وانطلاقا من الأسئلة التي تحاصر الأدب العربي حول تجديد الممارسة وتبرير وظيفة الخطاب النقدي''.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال