هذه مجرد تداعيات، أو خواطر ذاتية لإنسان بسيط جداً جلس أمام شاشة فضية ساحرة منتظراً حدثاً كونياً خاطفاً يراه للمرة الأولى، فليلة الاثنين أول من أمس، شهدت اختراق أول رجل في تاريخ البشر لحاجز الصوت، والقفز إلى الأرض من خارج الغلاف الجوي، لقد فعل النمساوي فيليكس بومجارتنر أمراً جللاً بالفعل، ولشد ما انتابني من الخوف والرعب، وأنا أراه يتأرجح في الفضاء كريشة في مهب الريح، لكنني حين تأملت حركات والدته وقفزاتها في غرفة الإشراف على مهمته الخارقة، تساءلت لو أنني أم هذا المغامر، أكان بإمكاني الجلوس أمام تلك الشاشات العملاقة الباردة ومتابعة سقوطه من ذلك الارتفاع الكوني اللامعقول ؟! أظنني لن أملك قوة الأعصاب تلك بأية حال!
حين أعلن أن رجلاً مختصاً بالقفز من الشواهق العالية سيقفز من ارتفاع يحطم به رقماً لا يزال محجوزاً للضابط الأميركي (جوكتنجر)، والذي أنجزه في العام 1960، لم يدر بخلدي أن يحظى الحدث بكل تلك الأهمية، لم أتخيل أصلاً حدود تلك المغامرة ولا نطاق تأثيراتها على البشرية، أما حين اقترب الحدث، وبدأت التقارير الإخبارية تتوالى، وبدأ الحديث عن اختراق حاجز الصوت وقانون نيوتن لسقوط الأجسام الحرة في الفضاء، وتحدي أحوال الطقس خارج الغلاف الجوي ببدلة خاصة، وغير ذلك من التفاصيل العلمية راجعت نظرتي للحدث كله، بحيث أقبلت عليه باعتباره إنجازاً بشرياً ممنهجاً ومخططاً أكثر منه إنجازاً تم اكتشافه بالمصادفة، أو بالملاحظة كقانون الجاذبية، أو قانون الطفو، وغيرها من القوانين المهمة !
فـ” السير اسحق نيوتن” لم يحتج لاكتشاف قانون الجاذبية سوى الاستلقاء في الحديقة، وملاحظة سقوط التفاح، وأرخميدس احتاج أن يفكر طويلاً، وهو في حوض الاستحمام ليتوصل إلى علاقة وزن الأجسام بقدرتها على الطفو في السوائل، أما فيليكس فاحتاج الى خمس سنوات من الإعداد وملايين الدولارات، فضلاً عن قوة أعصاب خارقة، وقلب مغامر لا يحسد عليه ليلقي بجسده من خارج تخوم الكون، وعلى ارتفاع وصل الى 129 ألف قدم وبسرعة تجاوزت سرعة الصوت، ولزمن قياسي بلغ حدود الـ 15 دقيقة لا أكثر وضع بعدها الرجل قدميه على الأرض كأجمل وأفضل ما يكون الهبوط بمظلة !!
اجترح فيليكس معجزته، أو إنجازه الكبير، وذهب يفكر في الخطوة التالية، بينما انشغل أناس كثيرون في عالمنا الملغوم بالأفكار الغريبة والمشككة بتفسير مغامرته، وليس بتقديرها أو احترام صاحبها، فهو في نظر البعض ليس سوى مغامر (هو لم يقل إنه نبي أو قديس أبداً )، ولم يفعل شيئاً يستحق هذه الضجة، مقارنة بمعجزة الإسراء والمعراج، وقد كانت هذه الملاحظة من أكثر ما أصابني بالغيظ فعلاً، فكيف يقارن جهد بشري بحت بمعجزة إلهية لم تفكك شيفرة إعجازها خلال 15 قرناً وحتى اللحظة لعظمها وجلالة راعيها وهو الله، أما الأكثر إضحاكاً فذلك الذي ادعى بأن ما رأيناه لم يكن سوى فيلم أكشن على طريقة فيلم افاتار !!
اجتهد فيليكس كثيراً وطويلاً، واستعد أكثر مما يمكن أن نتخيله، ولكنه قبل ذلك امتلك شجاعة نادرة ليتمكن بها من قذف جسده في فضاء الكون، وليظل لأكثر من أربع دقائق يدور حول نفسه ككوكب فقد مساره وتوازنه وجاذبيته، وفي طريقه ليتفتت متناثراً في الهواء كرماد، قبل أن يطلق أول كلماته لمدربه قائلاً أنا بخير ثم يفتح مظلته، حين وقف على قدميه وقفت مصفقة له، وفرحت بنجاته كأمه تماماً !


ayya-222@hotmail.com