هناك شخصيات تكوِّن لأسمائها صدى يردده العالم كل حين؛ نتيجة الظروف التي خلقوا من أجلها، ونتيجة الأحداث التي تمر بها بلادهم، وما تمثله لبلدان الصراع من أهمية استراتيجية، فيكونون في دائرة الخبر، وتحت الأضواء، ويتصدرون الصور، ثم مع السنين تخفت هذه الأسماء، ولا تعود تسمع كما كانت، ثم تختفي، فيعتقد الناس أنهم فارقوا الدنيا، “نوردوم سيهانوك” واحد من تلك الشخصيات التي كانت مقررة في كل نشرة أخبار، ثم توارى حتى اعتقدت لبعد السنين أنه توفي منذ زمان، حتى فوجئت بوفاته أمس في بكين نتيجة أزمة قلبية عن عمر يقارب التسعين، بعد أن هاجمته العلل كالسكر وضغط الدم، والسرطان، وبعد أن تنازل عن عرش كمبوديا لابنه “نوردوم سيهاموني” عام 2004، وهذه ليست المرة الأولى التي يتنازل فيها “سيهانوك” عن الحكم، ففي عام 1955، تنازل عن العرش لمصلحة والده، وأصبح هو رئيساً للوزراء، وبعد وفاة والده في عام 1960، عاد سيهانوك مرة أخرى على رأس الدولة، ولكن هذه المرة بلقب أمير، تمت إطاحته عام 1970 بانقلاب عسكري قاده رئيس الوزراء الجنرال “لون نول” والأمير ماتاك بدعم من الولايات المتحدة، بينما كان في رحلة خارج البلاد، فلجأ إلى الصين منفياً، وتحالف مع الشيوعيين، لقد عاصر تاريخ كمبوديا من الاستعمار الفرنسي، وحتى الاستقلال، والفوضى، والحرب الأهلية، وتحالفه مع نظام الخمير الحمر (1975- 1979)، وعودة السلام النهائي لكمبوديا عام 1998، تزوج ست مرات، وزوجته الأخيرة “مونيك ايتزي” عارضة أزياء تنحدر من أصول إيطالية وكمبودية، رزق بـ 14 ولداً قتل منهم خمسة في ظل نظام “بول بوت” الرهيب، كمبوديا أو “كمبوتشيا” كما كانت تسمى سابقاً، مرت حياة سيهانوك بمراحل وتحولات: مملكة كمبوديا تحت حكم النظام الملكي من (1953 - 1970)، جمهورية الخمير تحت حكم “لون نول” من (1970 - 1975)، كمبوتشيا الديمقراطية تحت حكم الخمير الحمر الشيوعيين من (1975 - 1979)، جمهورية كمبوتشيا الشعبية تحت حكم الحكومة المدعومة من قبل فيتنام من (1979 - 1989)، دولة كمبوديا بعد انهيار الكتلة الشرقية، وتحت سيادة السلطة الانتقالية التابعة للأمم المتحدة من (1989 - 1993)، مملكة كمبوديا بعد استعادة النظام الملكي في عام 1993.
كانت وصية سيهانوك أن تحرق جثته، ويحفظ رماده داخل القصر الملكي في العاصمة الكمبودية “بنوم بنه”، وقد صادفت وفاته اليوم الأخير من احتفالات “بشوم بن” السنوية التي تجتمع فيها العائلات الكمبودية لتكريم الأسلاف والجدود القدامى، لقد كان أسطورياً في حياته وحكمه وموته، فقد كتب: هذه الحياة الطويلة اكثر مما ينبغي باتت تشكل لي عبئا لا يحتمل.. هذا يكفي.. أريد أن أعيش في التاريخ طويلاً ودائماً!


amood8@yahoo.com