لفترات طويلة من تاريخ العرب الحديث اعتمد التعليم الرسمي على طريقة الحفظ أكثر من أي شيء آخر، فكان المعلمون يجتهدون قدر وسعهم في دفع طلابهم إلى حفظ النصوص الدينية والأدبية والفكرية، وكانوا يواجهون الأسئلة والنقاش بالرفض أو على أقل تقدير بالاستياء وعدم الترحيب، وغالباً ما يوسم الطالب كثير الأسئلة بأنه لجوج أو مشاكس، حتى سادت نظرية الحفظ التي قادت إلى تقديس النص وعدم المساءلة أو النقد أو التحقيق، فالعقل الذي يؤمن بمطلق ما يراه ويقرؤه لا يجرؤ أن يسائله أو ينتقده، ومن هنا سقط الاجتهاد، وتراجع المنهج الموضوعي والتجريبي، في مجمل الحياة العربية والعلمية منها على وجه الخصوص !!
تقول كتب التاريخ إن الإنجليز أثناء احتلالهم مصر جعلوا التعليم تحت سيطرتهم المباشرة، وجعلوا له وزيراً بريطانياً بخلاف الوزارات الأخرى، لقد كان الإنجليز يعون جيداً خطورة التعليم، وخطورة المناهج التعليمية، وضرورة صياغة عقول المتعلمين الذين إذا أرادت بريطانيا ضمان ولائهم لها فإن الطريقة التي ستفرضها عليهم في مناهج التعليم هي ما سيشكل عقولهم وتوجهاتهم مستقبلاً، ولذلك كان وزير التعليم الإنجليزي يوجه مديري المدارس والمعلمين إلى ضرورة حض الطلاب على الحفظ، وألا يتساهلوا مع رغبات البعض في النقاش والجدل، كان الأمر واضحاً للمعلمين والطلاب: الحفظ من دون نقاش، فالنقاش ممنوع وأحياناً حرام !!
لقد خرجت أجيال عديدة ليس في مصر فقط ولكن في كل العالم العربي تؤمن بهذه المنهجية، احفظ ولا تناقش، وهي المنهجية المسؤولة عن تجميد العقل العربي لفترات طويلة، وبالتالي عدم انتعاش الحياة العلمية والفكرية وسيادة الجهل والتخلف الذي صار العنوان أو الصفة الأبرز لعالمنا العربي، فلا اختراعات ولا مبتكرات ولا مساهمة فاعلة في مسيرة الحضارة الإنسانية المعاصرة، ولا مفكرين بارزين ولا فلاسفة ولا مراكز أبحاث ولا باحثين ولا ميزانيات ضخمة للعلم والجامعات والكتب، وصار العالم العربي المثال الأبرز للجهل والتخلف للأسف الشديد.. ونجحت سياسة وزير التعليم البريطاني في مصر!!
حين كان المنصف المرزوقي، (الذي أصبح اليوم رئيساً لتونس)، يدرس طب جراحة المخ في باريس سنوات الستينيات، استمع ذات يوم لخطاب الرئيس الفرنسي شارل ديغول، يومها كان ديغول يحض الفرنسيين في المستعمرات على غرس الفرنسية في قلوب وعقول أبناء المستعمرات كي يتحدثوا بها، ويدينوا بالولاء لفرنسا من دون نقاش، فكان يقول علموهم “فرنسي” كي يشتروا كل ما يريدون من فرنسا، كان يريد استيطان عقولهم، وأن يغرس فيهم القابلية الدائمة للاستعمار حتى وإن رحل الاستعمار !!
اليوم ما زال هناك من يؤمن بنظرية الوزير البريطاني، معتقداً إنك إذا ناقشت نصاً فأنت ضده، وإن قلت بأن شعر بدر شاكر السياب في بعض جوانبه أفضل من شعر شوقي أو المتنبي فانت لا تفهم، وإن اعتبرت شعر نزار في الحب أجمل من شعر قيس بن الملوح أقام لك مشنقة، بمعنى أن تلغي عقلك، وتفكر كما يريد، لا كما تؤمن!


ayya-222@hotmail.com