أثارت تصريحات وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس عن اعتزام حكومة بلاده تخفيف شروط الحصول على الجنسية الجدل مجدداً حول الوضع الديموغرافي ليس في فرنسا، وإنما في القارة الأوروبية بأسرها.
فالس المولود في برشلونة والحاصل على الجنسية الفرنسية عندما كان في العشرين من عمره، أعلن عن توجه باريس لإلغاء العقد غير المحدد بفترة زمنية للبقاء في الأراضي الفرنسية، واستمارة المعلومات العامة اللتين فرضتهما الحكومة اليمينية السابقة. وكذلك إلغاء شرط توافر عقد لفترة زمنية غير محدودة لمنح الجنسية للطلبة خاصة الذين يحضرون لنيل درجة الدكتوراه.
هذه التوجهات الفرنسية جددت نقاشات المعنيين بالديموغرافيا الأوروبية، حول خلل التركيبة السكانية الذي تعاني منه القارة، وهي تمضي بسرعة نحو شيخوختها جراء تزايد أعداد المسنين وتراجع المواليد. ولأن الاقتصاد هناك محور ومحرك كل تفكير فقد استقبل هؤلاء المعنيون بقلق متزايد تقريرا صادرا عن البنك الدولي، أكد فيه أن ارتفاع معدلات الشيخوخة لا يقوض النمو فحسب، بل يجعل تحسين الأوضاع الاقتصادية والمالية أمراً في غاية الصعوبة.
وتوقع التقرير انكماش القوى العاملة هناك بواقع 50 مليون شخص على مدى السنوات الخمسين المقبلة، وهو ما قد يهدد قدرتها على تنمية الاقتصاد بمعدلات مطردة، وستكون هناك حاجة ملحة للمهاجرين لزيادة حجم قوة العمل، بينما تمثل مسألة الهجرة ووجود الأجانب قضية صعبة للأوروبيين في ظل ارتفاع البطالة.
وصدر التقرير في وقت ذكرت فيه أبحاث ديموغرافية حديثة، أن عدد سكان العالم خلال الأربعين عاماً الماضية، تضاعف ليصل إلى ما يزيد على الستة مليارات نسمة، وأن الزيادة المحتملة حتى العام 2050 تصل ثلاثة مليارات نسمة، ومن ثم سيصبح تعداد سكان العالم أكثر من تسعة مليارات نسمة، بزيادة ستأتي من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، في حين توقع التقرير تلاشي مائة مليون نسمة من الأصول الأوروبية .
دراسة أخرى للباحثة جاكلين كاسون من جامعة هامبولت الحكومية في ولاية كاليفورنيا الاميركية، بعنوان”الحرب ضد السكان” قالت “إن ما تشهده أوروبا من قحط في معدلات المواليد، يعد أزمة بكل المقاييس. واعتبرتها “أخطر بكثير من أزمة الموت الأسود، التي ضربت أوروبا في القرن الرابع عشر”.
الرهان على دمج المهاجرين في القارة العجوز، بالقدر الذي يراه البعض حلا، ينظر إليه أيضا كتحد يتعلق بوجود الإنسان الأوروبي والقيم التي انطلقت من قارة تتآكل، وتنخر فيها المشاكل الداخلية، وبالذات الاقتصادية.
لذلك تنادي الأصوات هناك وتؤكد في كل مناسبة على اندماج المهاجرين في تلك المجتمعات للإبقاء على ما وصفه المسؤول الفرنسي بقيم الجمهورية. ورغم هذه الدعوات القائمة، يتسع الشرخ داخل المجتمعات الأوروبية بين الانتماء الروحي القيمي والانتماء الجغرافي، وبالذات في فرنسا حيث كشف مقتل صبي في إحدى الضواحي عام2005 هشاشة النسيج الاجتماعي، عندما اندلعت اضطرابات واسعة إثر الحادث. وكذلك في ألمانيا التي تحتضن على أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر تركي، ينظر اليهم على أنهم نموذج لرفض الاندماج وإقامة “تركيا مصغرة” داخل ألمانيا.
أوروبا تقبلت تجرع الحلول، رغم مخاوف يروجها اليمين المتطرف من تحول القارة إلى “كانتونات عرقية”.


ali.alamodi@admedia.ae