قالوا: “إذا كبر ابنك خاويه” عندما تجد رجلاً راشداً يسير كتفاً بكتف مع شاب يافع، والحديث بينهما تتوسطه الابتسامة العريضة، وأحياناً الضحكة المدوية، فإنك تشعر بسلامة العالم، وصحته وعافيته .. فصداقة الآباء بالأبناء، هي من بشائر الخير التي تمطر علاقة سوية متعافية سليمة وحليمة، ورحيمة وكريمة، تغدق قلب الأبناء بالثقة، وتمنحهم قوة الذات وصلابة الأنا، وتماسك النفس، ومتانة المشاعر التي لا تنحني ولا تنثني لهزَّات أو رجَّات أو خضَّات، علاقات تالية مع أصدقاء أو زملاء .. فالرجال الأقوياء الأشداء والأوفياء هم الذين يتخرجون من مدارس أسر تحفظ الود، وتحمي السد، ولا تقيم الحد لأي تصرف من الأبناء لا يعجب الآباء، بل إن الواجب أن يكون الحبل شمعة الشهد وليس من مسدِ، وأن يكبر القاسم المشترك بين طرفين أحدهما ابن والآخر أب وأم، وكلما شعر الأبناء أن ما يشعرون به، وما يفكرون فيه، وما يخططون له ليس خندقاً مخيفاً، ولا نفقاً مرجفاً، تفتحت قرائحهم، وقابلوا الاقتراب بالإطناب في التعبير عمّا يجيش في خواطرهم، وما يجول في داخلهم بلا خوف ولا ريبة، ولا أحاسيس مخيبة، أحس الأبناء أن آباءهم أقرب الأصدقاء، غردت عصافيرهم ورفع الحمام هديله بكل حرية وطلاقة ولباقة ولياقة، وكلما انكشفت الأسرار وضحت الأسبار، وأسفرت الأخبار عن معلومات صحيحة غير مُفبركة، أو ملغمة، أو غامضة، أو مبهمة.
وعندما يصادق الآباء أبناءهم، فإنهم يكسبونهم ويكسبون الوطن أشخاصاً بشخصيات تتحلى بأخلاق النجباء، إنهم يضخون في جسد المجتمع كوادر وطنية قادرة على العطاء بدون تردد أو تصهد، قادرون على مواجهة الصعاب بإيجاد الحلول الموضوعية دون إفراط أو تفريط.
عندما يصادق الآباء الأبناء، فإنهم يكسرون مفاتيح الصناديق السوداء، ويعرفون ويتعرفون على الداخل العميق، قبل أن تتسلل مخالب الشر، وتخطف عقول وقلوب هؤلاء برغبة طيعة منهم لأنهم بحاجة إلى من يُزيِّن لهم القبيح، ويلوِّن الأسود بالأبيض، ويسمي الخردة وردة، ويطلق على الماء الأجاج عذب فرات.
عندما يصادق الآباء الأبناء، فإنهم يحمون الأبناء من الركض خلف أطياف الادعاء، ويحمون أنفسهم من الافتراء، ويحفظون الوطن من الاكتواء بنيران من يبحثون عن الوهم في سراديب البلاء والوباء، عندما يصادق الآباء الأبناء، فإن الحب يكون ثالثهما، وعندما يحضر الحب، تتلاشى أدخنة الكراهية، وعندما يحضر الحب، تتفرَّع الشجرة بأغصان يافعة، وأشجان يافعة، وتتفتح الأحداق إلى أشواق، ترتفع فيها الأعناق، لتطال هامات السحاب، وتهدي النجوم بريقها الأنيق .. عندما يصادق الآباء الأبناء يخضر عشب الأرض، وتورق الأشجار، وتزخر البحار، بزرقة الألفة، ويرتفع النشيد وينضخ القصيد ببلاغة العاشقين ونبوغ المبدعين.



marafea@emi.ae