سفن بلا ربّان استذكار الشاعر الخمسيني الراحل رشدي العامل يستلزم بعد قرابة ثلاثة عشر عاما أن نقف عند اهتمامات جيله التي كانت السياسة شاغله والواقعية منهجه في الشعر والسرد، تعبيرا عن رؤية اجتماعية تزدهر في الصراعات الطبقية والعقائدية. تتصادم الرؤى وتعبر عن نفسها مباشرة بصوت عال وغنائية تنعكس على لغة القصائد وصورها، وإيقاعاتها التي تهيمن عليها الوزنية عمودية أو حرة، وربما تجاورت في نص واحد، كما في كثير من قصائد رشدي. لكن تميزه بين أقرانه يكمن في مزاوجته بين سمات الرومانسية الشعرية والواقعية التي يهفو لها فكريا ويؤمن بها. في 1-7- 1986 سلمني رشدي نسخة من ديوانه "حديقة علي" وكتب في الإهداء "أخي حاتم سأظل شاعراً رومانسياً". كان يشير مشاكساً إلى مقالتي "غناء الألوان المهاجرة" حيث شخصت خطابه المميز بنبرة غنائية، ومناخ رومانسي يؤطر قصائده، حتى تلك التي يوهم القارئ بأنها واقعية (احتكاما إلى موتيفاتها: حدث، شخصية، موقف) فهو يختار زوايا ومداخل تضعه دوماً في (مواجهة) موضوعه. كما أشرت في المقالة ذاتها إلى مناقشة بينه وبين الزميل ماجد السامرائي، رد فيها رشدي بعنوان طريف وموحٍ: (نعم، أنا شاعر رومانسي). فهل كانت رومانسيته امتيازاً أم نقصاً؟ تقليداً ومحافظة أم خصوصية وهوية؟ وهل كانت محاولته المزاوجة بين الرومانسية والواقعية وهماً؟ يقول رشدي عن القصيدة: "تتحكم بي إلى درجة العذاب. تمزقني. تفري عروقي. وأحياناً تتعطف عليَّ؛ فأحبها في الحالين". وهذه المجاذبة العقلية والعاطفية الصورية شعرياً تؤكد ما ذهبت إليه قراءات نقدية كثيرة لشعره تشيد بانعتاقه من الواقعية الفوتغرافية واختياره الفضاءات التي تتيحها الأحاسيس والرؤى الرومانسية. فيتجاوز حواسه التقليدية ليسند لها وظائف تعكس العمق الروحي. فهو (يشم) الألوان كطائر يقول عنه: "الطائر المذبوح/ يشم لون عشه/ فتستفيق الروح" وتلك هي رمزية صلته بوطن قال عن ثنائية جماله ورعبه إن "الضلوع تَراقصُ بين الولادة والموت/ بين القماط وبين الكفن/ أيهذا الوطن!"، ملخصاً عناء حب وطن جارح يتمدد في مسافة زمنية ومكانية: بين القماط في الولادة والكفن في الموت، كأنهما قوسان يغلفان المصائر ويحددان الأحلام. في تصوير مواجده ومصائر أحلامه يستعير رشدي مفردات وإجراءات الخطاب الرومانسي. كل شيء له تمثيل رمزي من الطبيعة. كونها الشاهد الأكبر على إنسانية الإنسان، وعلى حيرته وضياعه. الحياة يتم تمثيلها بالصورة التالية: (سفني تبحر/ لا صارية، لا أشرعة/ لا ربّانْ/ وحدي/ مائي الصبر، وزادي ملح النسيانْ". وحين كلفت بتقديم ديوانه "الطريق الحجري" الصادر عام 1991 بعد رحيله، لم أجد أكثر دلالة على عمله من عنوان تقديمي وهو "العذاب السعيد أو جنات رشدي العامل" فالسعادة والعذاب حياتيا يوازيهما وصفه لأثر القصيدة فيه: تمزقه وتعطف عليه! عذاب سعيد رافق رحلته عبر السنين الست والخمسين التي وهبتها له حياة سارت كسفينة بلا صارية ولا ربان، مسرعة ما بين القماط والكفن.