لا يمكن لي أن أنسى لقائي الوحيد مع العقاد في صالونه مطلع الستينات. فهو كان بالنسبة لنا نموذجاً لعبقرية الشموخ، وأسطورة العصامية، وأحد مرجعية المعرفة، أما الأولى فلأنه صانع العبقريات السياسية والفكرية والإسلامية الذي وقف في مجلس الشيوخ بمصر ليهدد أكبر رأس في البلد، فسجن للعيب في الذات الملكية، ولم يخفض جبينه لأحد، بل قال عن رجال مجلس قيادة الثورة: “لو تركوا لي حرية كتابة عمود صحفي عنهم لجعلتهم يهربون بليل من مصر مثل النساء الخاطئات في القرى”. وكانت عصاميته مضرب المثل في جيلنا، فهو لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية، لكنه صنع ثقافته العالمية بكدحه المتواصل، وكم رأيت من بعض أساتذة دار العلوم مثل الأستاذ عمر الدسوقي من يحرقه الغيظ منه والحسد عليه لأنه لا يعترف به، كل ذلك جعله المرجعية الفكرية والعلمية لأبناء جيلي المنقسمين حوله، ما بين مؤيد متحمس وآخرين مثلي يعترفون بفضله دون مبالغة. وقد عزز هذا الموقف لقائي اليتيم معه، بعد أن كنت قد حضرت له كثيراً من المحاضرات العامة وقرأت معظم كتبه ولم يرق لي شيء من شعِره سوى قصيدته التي يقول فيها: “أسوان أسوان”. وكنت مغيظاً من هجومه الشرس على شوقي، وإن كانت قد غفرت له عندي محاضرة ألقاها في قصر محمد علي بالمنيل في الذكرى الثلاثين لوفاة شوقي عام 1962 تراجع فيها نسبياً عن رأيه. عندئذ أغراني زميل كان من حوارييه أن نذهب إلى منزله صبيحة أحد أيام الجمعة. فذهبت معه وأضمرت في نفسي سؤالاً كان يشغل تفكيري في مشكلة خرجت بها من قريتي، وهي أن الثقافة الدينية تعترف بنوع من الغيبيات الخارقة للعقل والمتجاوزة للمعرفة في حكايات الجن والعفاريت. كان يزورنا أحد شيوخ الصوفية، فيحكي لي بصدق قصة زواجه من جنية حسناء، وليس بوسعي تصديقه، كما لا أطيق تكذيبه. ولم ينفعني مقال توفيق الحكيم عن منطقة الإيمان وهي القلب لحل هذه الإشكالية والتوفيق بين العقل والنقل.. ووجدت في زيارة العقاد فرصة للعثور على الحل، فانتظرت حتى فرغ الصالون وبقي الأستاذ مع خاصته، فعرضت عليه المشكلة فقال بصوته الجهوري الأجش: “يا مولانا، هل فرغت من مشاكل الإنس حتى تفكر في مشاكل الجن؟ اصرف جهدك إلى بحثك وعلمك خير لك من التفكير في هذه القضية”، ظننت أن الأستاذ يهرب من الإجابة، فلو أنكر الجن خالف الدين، ولو اعترف به خالف العلم. لم أحترم هروبه ولم أعد لزيارته، لكني وهذه هي المفارقة أخذت على الرغم مني بنصيحته، وشغلت بقضايا الأدب والفن حتى انتهيت إلى نتيجة ارتحت لها وهي أن المدارك العقلية لها مدى لا تستطيع تجاوزه مثل المدارك الحسية، ولا نملك أن ننكر ما لا نعقله كما لا نملك أن ننكر وجود ما لا نبصره أو نسمعه، فعدت إلى منطقة الإيمان التي نصحني بها العقاد..