عندما كانت تصف شقيقها الذي يصغرها بسنوات عدة في إحدى رواياتها الشهيرة، فإن الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي تصفه قائلة: “كان ناصر يصغرني بخمس سنوات، لكنه يكبرني بقضية”، كانت تؤكد دائماً أن قضية الوطن/ الجزائر ظلت هي وحدها الفرق والأرق بينهما، فحرية واستقلال الوطن ظلا يحكمان حركة ناصر وحياته، بينما الوطن بالنسبة لآخرين لم يكن سوى “مكان” للعيش بإمكانهم استبداله بأي مكان آخر، كان الوطن يسكن ناصر كنبضه، بينما الكثيرون من حوله يرتدون الوطن كمعاطف فاخرة تقيهم البرد لا أكثر، بينما الوطن ليس معطفاً ولا فندقاً خمسة نجوم ولا مقهى على قارعة طرق الدنيا!
كانت أحلام تتحدث عن ناصر شقيقها في الرواية التي تحكي في جزء كبير منها ملابسات ثورة الجزائر، والشباب الذي كان يحمل قضية هذا البلد، وكيف دارت الأيام وتقلبت الظروف والأحوال بعد الاستقلال، فصار الثوار نسياً منسياً، وتسلق جدار المشهد وواجهاته أشخاص صاروا أبطالاً من أوراق الصحف وأصوات مذيعات التلفزة وحبر المطابع، وكأنها بذلك تروي قصة الثورات الأبدية، ودور المناضلين الحقيقيين والمجهولين الذين يغيرون الوقت، ويحركون الأيام سريعاً باتجاه الغد، ساكبين من دمائهم وقوداً في محركات التغيير من دون أن ينتبهوا إلى لعبة حسابات الأرباح والخسائر، لكن هناك من ينتظر انتهاء المعركة دوماً ليجمع الغنائم بسهولة صارخاً انتصرنا وليس “انتصروا” ففعل الانتهازية سيحكم الأيام التاليات!
أما الذين يدفعون حياتهم وشبابهم وهم يحلمون بالحرية والاستقلال، فسريعاً جداً يحولونهم إلى مجرد كلمات حماسية للأغاني والأناشيد والروايات الرومانسية، إنهم يتحولون بعد نجاح الهدف واقتسام الغنائم إلى مجرد أرقام في حسابات الخسائر التي كان لا بد منها لنجاح الثورة، ألا تحتاج الثورات الكبرى إلى شهداء وضحايا وأبطال؟ إذن يكفيهم الخلود وأحضان التاريخ، أما السياسة والحكم والمصالح، فلها أبطال آخرون سيخرجون فجأة من ثقوب خفية كانوا يختبئون وراءها بانتظار اللحظة الحاسمة وبفارغ الصبر ليقفزوا إلى الواجهة! وهذا ما كان وما حدث أمام أعيننا بدءاً بالعراق وانتهاء بكل مكان!
الملاحظ أنه في كل الصراعات الإنسانية التي تحرك الأحداث والتاريخ، فإن هناك من يدفع الثمن بصدق وإيمان، وهناك من يقفز على الكراسي بصدق وإيمان أيضاً، ولكن شتان بين الإيمانين، وللأسف فالذين يكسبون هم أبطال آخر المسرحية. إن لهؤلاء ملامح وسمات نفسية خاصة وقدرة على التكيف والتلون وتحريك الخيوط، وهذه لا يجيدها كل الناس، فهل هي المصادفة من تحضرهم للمكان في اللحظة المناسبة أم أنها مخططات سابقة؟
مهم أن يكون الفارق بيننا قضية تستحق أن نختلف لأجلها، لكن الإشكالية حين يتحول الخلاف إلى مزايدات مصالح، وثارات شخصية ضيقة، ولعبة توزيع غنائم على الهواء مباشرة، عندها يسقط الهدف وتضيع القضية؛ لذلك لم يعد أغلب الناس يؤمنون بشعارات القضايا العادلة والقضايا الكبرى!


ayya-222@hotmail.com