نصفهم دائماً بأنهم بركة البيت وأنهم الخير كله، كبار السن هم آباؤنا وأمهاتنا، الذين إذا بلغوا الكبر فمن غير المسموح ديناً وخلقاً أن نتأفف منهم أو نسيء التعامل معهم وتحديداً الوالدين، وأظن أن من في حكم الوالدين كالجدات والخالات والعمات، فإن برهم والإحسان إليهم من حسن أخلاق الإنسان ومن دلائل المروءة، أن وجود هؤلاء الكبار في البيت يمنحنا فرصة عظيمة لعمل الخير والتقرب إلى الله بهم، وأكثر من ذلك، فإن هؤلاء إذا كانوا في تمام صحتهم وذاكرتهم فإنهم يحملون إرثاً معرفياً ضخماً لا يجوز الاستهانة به كما لا يصح المرور على ما ينصحوننا به مرور الكرام، كما يفعل البعض في معظم الأحوال انطلاقاً من أن زمن هؤلاء قد انتهى وأن ما يوجهون به لا يصلح ولا ينفع أحداً بأي حال من الأحوال!!
تنصح الأم ابنتها المتعلمة الجامعية التي تتقن اللغات الأجنبية وتسافر على متن أفضل الطيران إلى جهات الأرض الأربع، وترتدي أفضل الثياب وتعمل في وظيفة مرموقة بأن تفعل كذا مع ابنتها وتتبع تلك الطريقة في تربية أولادها وتنصحها إذا مرضوا أن تقدم لهم الدواء الفلاني وإذا أخطأوا أن تلتزم معهم الطريقة التربوية الفلانية، وتقول وتنصح وتمنحها من مخزونها الثقافي الذي ربت بها هذه الابنة وأخوتها، ونجحت في تربيتهم أيما نجاح في حين أن أجيال اليوم يعانون الأمرين وغالباً ما يفشلون في تربية صغارهم!
مع ذلك فإن غالبية أمهات اليوم لا يلقين بالاً لما تنصح به الأم بحجة أن زماننا غير زمانهم وظروفنا تختلف عن ظروفهم، وما كان يصلح لسنوات الستينيات لا يصلح اليوم وأن الدنيا تغيرت وجرت تحت جسور الحياة مياه ومياه، والحقيقة فإن جزءاً كبيراً مما تقوله أمهات اليوم مقبول وصحيح من وجهة نظر الواقع والمنطق، لكننا كأي أمة من أمم الأرض جرى علينا ما جرى عليهم مع ذلك، فما زالت الأمهات في كل المجتمعات يقدمن النصيحة والمشورة في أمور الحياة لبناتهن وأبنائهن وما زال هؤلاء يتناقلون تلك التعليمات ويحفظونها، بل وينقلونها لأبنائهم، كي تظل سلسلة الإرث الثقافي والتقاليد العريقة العتيدة متأصلة، فهذه طبيعة المجتمعات التي تدين بالولاء لثقافتها وشخصيتها القومية وهويتها.
إن الثقافة والهوية ليست حكراً على المظهر الخارجي المتمثل في الملبس وطبيعة اللهجة المحكية، إن الهوية والثقافة المحلية لأي أمة أو شعب تتغلغل وتتفرع حتى تطال كل تفاصيل الإنسان في كل حركته اليومية والاجتماعية، هذا الإرث يتطوَّر ويطرأ عليه ما يتناسب مع طبيعة التبدلات الحياتية نتيجة سنن التطور والتغيير، لكن هذا لا يعني أن يجتث الناس ماضيهم كاملاً ويلقون به وراء ظهورهم بحجة الأخذ بالحداثة والتطور، ليس هناك من يفعل أو فعل ذلك وإن كان فإنه غالباً ما يجد صعوبة في الاستمرار والنجاح والتألق بين الأمم، إن الأمة المحترمة هي التي تحترم إرثها وماضيها وثقافتها.
الكبار هم خزائن الذاكرة وهم حفاظ ذلك الإرث وعلينا ألا نستهين أو نسخر مما يعرفون أو يوجهوننا إليه، فما لديهم هو حصيلة خبرة متراكمة عبر سنين طويلة!


ayya-222@hotmail.com