مات بعد أن سقط كتابه الأخضر من يمينه، وغادر شاغل العالم والناس في كل مكان وزاوية وزنقة، فهل أراد موته أن يكون هكذا، مثلما كان يقول أمام عدسات التلفزيون: “أنا ثائر، مجاهد من الصحراء من الخيمة”؟ أم أرادوا له هذه الميتة تشفياً وانتقاماً ترضي الجماهير الثائرة ضده، والمنكوبة به، والثكلى من أفعاله؟ القذافي رغم الشجاعة التي يظهرها في القول، ولا يبالي بمشاعر أحد، تؤكد التقارير الطبية أنه شخصية رهابية أدى مرضها النفسي أن تحولت إلى شخصية إرهابية، كان يخشى أشياء كثيرة على نفسه، ومنها الموت، لذا كان يغيب كثيراً في سبحانيته، وعوالمه المتخيلة إلى حد الهلوسة، والتباهي بالعظمة، والاقتراب أحياناً من الأراء الفلسفية التي يطرحها دون أن يقدر على تفنيدها والمدافعة عنها، وربما من هنا جاء كتابه الأخضر الذي يحمل فكرة إنسانية عظيمة، وبعدها مباشرة فكرة ساذجة يتبرأ منها الطفل الصغير، فلا تعرف كيف يمكن أن تتعاطى مع كتابه الأخضر وبعده كتابه الأبيض ومجموعتيه القصصيتين أو حتى مقابلاته التي يغلب عليها طابع المرح والتفكه، تضفي عليها لهجته الليبية نوعاً من القبول، حتى وفاته أضفى عليها الثوار الليبيين نوعاً من الكوميديا السوداء حينما قالوا ظهر عليهم، وهو يتساءل: “شنوه صاير.. شنوه فيه.. أنا القذافي” ليؤكدوا ضياع بعض العقل منه، إن لم يكن كله، وليشيروا إلى أنه يعيش في عوالم من التخيل، ليس موقعها الأرض التي يمشي عليها، كما كانت سياساته العبثية في ليبيا أو تصرفاته الرعناء مع جيرانه ومع الأنظمة والرؤساء والجامعة العربية أو تطلعاته الثورية في إيرلندا وأميركا اللاتينية أو أحلامه الملوكية باتجاه أفريقيا السوداء، القذافي أريد له الموت السريع لتفرح كل الأطراف، وتغلق ملفاته الشائكة والمعقدة والمرتبطة بشبكة كبيرة في الجهات الأربع من شركات وبلدان ورؤوساء ومتنفذين، وملفاتها المتسخة بالتعامل معه، ومن هذه الجهات التي لها مصلحة كبيرة في الموت الزؤام بطريقة سينمائية، حلف الناتو والمجلس الانتقالي الذي رصد مليوني دولار ثمناً لرأس القذافي “قتيلاً” لأنه ليس من مصلحتها أن ترهق ليبيا من جديد ولسنوات طويلة من المحاكمات والملفات والمتابعات القانونية، فثمن الرصاصة التي استقرت في الدماغ، والتي يمكن أن تكون قد انطلقت من مسدسه الذهبي رخيصة جداً، ولكنها تساوي غالياً في الحسابات السياسية، والمؤكد أن موت القذافي تضاربت فيه الآراء، فأقوال القادة الميدانيين تختلف وتناقض أقوال القادة الإعلاميين، والحكم بإعدام عصبة القذافي من أولاده ومقربيه، وخاصة وزير دفاعه الذي أصابته رصاصة كان يمكنه أن يتقيها بسترة واقية ضد الرصاص، وهو العسكري المتمرس، والذي بالتأكيد يعرف أنه ليس بخارج في نزهة خارج طرابلس، بالأمس كان لصدى موت العقيد آنات في دمشق، وآهات في اليمن وأوجاع ربما في الجزائر!


amood8@yahoo.com