دمج ذوي الاحتياجات الخاصة فعل الحضارات الكبرى وسلوك ثقافي يفتح طريقاً للنجاح، ويساهم في صياغة مجتمع متحرر من أصفاد العجز والاتكاء على كراسي الإحباط·· ولا تتطور المجتمعات ولا تنمو وتتفرع أغصانها إلا بوقوف أفرادها معاً والسير معاً في طريق تعزيز التكافؤ وترسيخ ثقافة التكافل والتكامل والتواصل وتأصيل فكرة أن أفراد المجتمع الواحد هم نسيج واحد كالبنيان المرصوص، ولا يمكن لمجتمع من المجتمعات أن يخوض معركة الحياة بتفوق وتفرد ونجاح وهو يعيش على جزء معطل من أبنائه، فالإنسان بطبعه الدأب والكد والكدح والعمل وحرث ثرى الحياة من أجل حصاد يشعره بقيمته وأهميته وكيانه المتكامل في المجتمع، وما الإحباط إلا نتيجة لتخلي المجتمعات عن شريحة مهمة من أفرادها ووضعهم في خانة الاحتياط المؤبد، أو إلقائهم في قائمة المهملات· وما تعيشه الإمارات اليوم من مشاركة فعالة وتقاسم في العمل الوطني هو رؤية باتجاه الإبداع واتساع رقعة الفعل والتفاعل، والتعامل مع الإنسان بفكر خلاق وأفق يشع عبر معين العطاء الجماعي، فهؤلاء الذين يعانون من فقدان قدرات ما لايعني أنهم حيدوا جميع إمكاناتهم العقلية والنفسية، واستراحوا عند خميلة التأجيل، بل هم طاقات مبهرة في جوانب كثيرة، يستطيعون وبجدارة أن يساهموا في نهضة المجتمع ويقدموا له من عرقهم ما يضيف إلى معدلات تفوقه، هؤلاء يحملون نفس الهموم التي يحملها إخوانهم من أبناء الوطن، لذلك فإن دخولهم في مصنع البناء ومزرعة الحصاد لهو أمر يبعث على البهجة ويضعنا أمام مسيرة جديدة تضاف إلى مسيرات وطننا في البناء والتعمير، وتوفير لقمة العيش الكريم لكل إنسان يحيا على هذه الأرض الطيبة، الأمر الذي يجعل المستقبل أكثر إشراقاً وانطلاقاً نحو غايات أرحب وأخصب من العطاء والاستمرار في تنمية الطاقات والقدرات وإمكانيات الإنسان الذي لا يريد شيئاً سوى فتح القنوات أمامه، وتسليط الضوء على مواطن الإبداع لديه ومنحه فرص الخروج من نفق الانكسار والاندحار، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعوض فقدان حاسة بحاسة أخرى تكون أكثر بريقاً وأكثر قدرة على مقارعة الآخرين، والوقوف أمامهم كقرناء أكفاء لا ينكصون ولا يشعرون بنقصان في حاسة أو عضو· الاحتفاء بشريحة مهمة وأساسية في المجتمع هو مكسب اجتماعي وحضاري واقتصادي، وهو انحياز نحو النجاح والتخلص من عقدة الانصياع إلى الخوف ورهبة المواقف، ورعشة الولوج في خضم الأعمال التي تضع الإنسان ضمن مجموعة أو شريحة· الاحتفاء بشريحة تستطيع أن تعطي وتقدم وترفد المجتمع بخلاصة تفكيرها وإبداعها، أمر يبعث على الفرحة ويؤكد أن مجتمعاتنا تسير في الاتجاه الصحيح، وهي تضع اللفتة الأولى نحو ذوي الاحتياجات الخاصة، فهؤلاء رصيد، وهؤلاء ذخر، وهؤلاء رقم لا يمكن الاستغناء عنه، وهؤلاء إخواننا وأبناؤنا وأهلنا، وأهل الإمارات سمتهم الولاء للإنسان، وشيمتهم الإخاء والتواصل مع من هم من الدم والجسد· الاحتفاء بهؤلاء قيمة حضارية راقية وملفتة ومبهرة·