المشهد كان قاسيا جدا، أما زغاريد الناس في الشوارع فقد كانت متوقعة، بينما جثة رجل ملك ليبيا لأكثر من 40 عاما يجرجرها جنود بلباس عسكري وأحذية منع أصحابها أنفسهم بالقوة أن يركلوا بها تلك الجثة، ربما احتراما للميت بحكم أنه ميت، لا لأنه كان زعيما وملك ملوك أفريقيا، ومع ذلك فإن الدروس والعبر التي لاحت لحظتها أكثر من أن تعد أو أن تحصى، يا الله كم هو فادح ذلك الثمن الذي يدفعه الطغاة حين يسقطون في يد ضحاياهم!
ما من طاغية يعتبر من مصير من سبقه، لم يعتبر كثيرون من مصير الفرعون القديم الذي نُجِّي ببدنه ليكون للناس آية، وكل فراعنة الزمان صور ونسخ من ذلك الفرعون، لا فرق بين الحجاج وكافور والحاكم بأمر الله، لكنهم أقوام لا يعتبرون، إنها سيكولوجية الطاغية وتركيبته المعقدة إلى درجة لا يمكن تخيلها، فهو لا يتخيل نفسه إلا حاكما بأمره وطاغيا كما يشاء، لا يعتبر ولا يمتثل ولا يطأطأ رأسه لقانون الحتمية التاريخية، فلا موسوليني اعتبر من مصير هتلر، ولا بينوشيه تشيلي اعتبر ممن قبله، ولا ديكتاتور الصرب استفاد مما آل إليه مصير طاغية رومانيا شاوشيسكو، وعلى مر الزمان لن يضع طاغية نفسه محل أي طاغية سقط.
القذافي سقط أخيرا، سقط مقتولا ومسحولا في شوارع المدينة كما سحل العراقيون ذات يوم جثث حكامهم في شوارع بغداد، فالمشهد على قسوته ليس جديدا، إنه يتكرر على الذاكرة العربية في صورة مرئية جديدة تنقلها تكنولوجيا الاتصالات التي لم تكن متاحة أيام الإطاحات الكبرى السابقة، ولو أنها كانت لما كان مشهد اقتلاع صدام من الحفرة صادما ولا كان مرأى القذافي قاسيا، فالذاكرة تختزن وتختزل وتعيد إنتاج مكنوناتها بهدوء ومعرفة.
الشعوب العربية ليست بدعا من البشر، إنهم أناس يستحقون الحياة، يستحقون الرفاهية، يستحقون الحقوق ومؤسسات المجتمع المدني، يستحقون أن يعيشوا بلا طغيان أبدي، وبلا جور أزلي، وبلا مصادرات واعتقالات ، لقد هرمت هذه الشعوب في انتظار لحظتها التاريخية، اللحظة التي تقول فيها كلمتها، وتقرر مصيرها وتمضى مختارة إلى مصير اختارته ولم يفرضه عليها سلطان جائر يسرقها في وضح النهار ثم يلقي إليها بالفضلات ليلا.
سيقول كثيرون اليوم بأن القذافي لم يمت ولكن شبه لنا، وبأنه يعيش في جزيرة وبأننا مضحوك علينا من ألف الحكاية إلى يائها، وكأن الشعوب العربية لا تستحق صناعة واقع مختلف، وكأنها لا تجيد كغيرها صناعة ثورة وصناعة مستقبل، وسيقولون كلاما كثيرا عن تدخل الغرب ودور الأميركان، وبان أن كل ما يحدث ليس سوى مؤامرة، وسيستحضرون النموذج العراقي فورا.
ما كانت تعيشه ليبيا بزعامة القذافي وعائلته لم يكن مدينة أفلاطون الفاضلة، كان مؤامرة كاملة متكاملة ضد البشر والحجر، ضد التاريخ والجغرافيا، ضد المنطق والحق والعدالة، وأن الإطاحة بالطاغية ليس سهلا وإعادة بناء دولة لن يكتمل خلال شهر أو ثلاثة بالتأكيد، البناء أصعب بكثير من الهدم، لكن التغيير هو الثابت الوحيد المثبت في قوانين ونواميس الكون، وأيا كان الآتي فهو أفضل مما كانت ليبيا ترزح تحته بالتأكيد، أما الغرب فله مصالحه التي سيدافع عنها حتما، وما علينا سوى أن ندافع عن مصالحنا مثلهم وأشد لتستقر كفتي الميزان.



ayya-222@hotmail.com