تذبل الفكرة في عقل صاحبها وقد لا ترى النور أبداً. والأفكار مثل البذور تجف إذا لم تجد الأرض الخصبة، وقد تتيبس في مكانها وتصبح صخرة تسد نبع التدفق الحر وقد تعيق وراءها أفكاراً كثيرة. وبالمقابل فإن الفكرة عندما تجد مكاناً لها تحت الشمس في النور فإنها تكبر عالياً مثل الأشجار، وتتفرع أغصانها إلى الجهات السبع، وتظل بعد ذلك تثمر في كل عام. الأفكار أيضاً تتناقض وتختلف مع بعضها، وتدخل في لعبة الصراع ما بين الخير مع الشر. البشر المصلحون ودعاة النور، يذهبون جماعات جماعات كل صباح إلى اقتلاع أشجار وبراعم الشر من جذورها لتطهير التراب من المنابت الفاسدة، لكنّ أعداءهم يعودون في الليل متخفين بأقنعة الضغينة والحقد، ينثرون بذورهم في القلوب الخائفة ويتسربون من زوايا العتمة، وقد ينتصرون يوماً فتكون لهم الغلبة مؤقتاً. ذلك لأن الظلام لا يدوم، ورياح التغيير التي تهب من منبع الدنيا تكنس في طريقها الأفكار البالية والأغصان المتدلية الجافة. والأفكار درجات، بعضها بسيط وساذج ويصلح للاستهلاك اليومي، وبعضها مستحيل ولا يخطر ببال بشر، والناس يرتقون عندما ينحاز أحدهم إلى فن اختلاق الأفكار وتربيتها وتغذيتها من ماء المخيلة، كما يحدث عند المبدعين، وآخر قد يصل به الخيال إلى اختراق الآفاق البعيدة والعودة منها بلحظة انتشاء لم يجربها أحد. بينما البعض قد لا تتجاوز أفكاره حدود قدميه. تنام وتسكن الأفكار في أماكن كثيرة، بعضها يولد في العقل ويظل يعيش فيه، وآخر يتسرب إلى القلب ولا يبارحه، وهناك أفكار تسكن في الكلمات وتظل حبيسة في معناها الأول إلى أن يأتي الشعراء فيغيرون المعاني ويحررون الفكرة من قيدها القديم الصدئ. وهناك أفكار لا تثبت على أرض، وهي تشبه الهواجس التي تظل تنبض وتتدفق من كل مكان ولا يهدأ صاحبها إلا بزوالها. أيضاً الأفكار بعضها لذيذ ويشعرك بالخدر والنشوة، وتحب أن تستسلم لها، لكنها للأسف تزول بسرعة، وبالعكس هناك أفكار تحاول أن تطردها لكنها تأبى، والإنسان إنما يتقاذف من فكرة إلى أخرى في بحر لا يستقر أبداً. ولذلك سعى الحكماء منذ فجر التاريخ إلى البحث عن كيفية تهدئة العقل وتخليصه من شباك الأفكار التي تتصارع داخله؛ ذلك لأن الوصول إلى صفاء الذهن معناه القدرة على رؤية الأشياء كما هي في طبيعتها الأولى من غير تأثير العقل. وتسمى هذه الحالة بلحظة «الكشف»، ويسميها آخرون «التنوير»، وفيها يشعر الإنسان بأنه يسبح بانسجام مع موجودات الكون، حيث تختفي التناقضات الوهمية التي تنشأ بسبب تناقض الأفكار في العقل. ويذهب بعض المعلمين إلى اعتبار العقل الحاجز الأكبر أمام رحلة اكتشاف الحقيقة الذاتية لكل منا. ??? تولد فكرة الحب حين تغنين.. يرقص العصفور في فرح ويطرب ثم تبتسم الشمس حين تهلّين قمرا في العقل ينير الروح ويجعلنا أقرب.. akhozam@yahoo.com