لا أعرف في لغة الحسابات المالية والأرقام كثيراً، ما عدا أرقام النجاح، ولكن كم كان سيكلف الفنان الراحل عبدالله حميد ميزانية المؤسسة الإعلامية؟ ماذا لو أمنت له الدولة من خلال مؤسسته تفرغاً فنياً إبداعياً؟ ماذا لو جعلوه موظفاً في الإذاعة والتلفزيون الوطني يؤدي عملاً له علاقة بالفن والموسيقى وحفظ التراث الشفوي؟ ماذا كان سينقص من ميزانية مؤسسته الإعلامية لو وازنت بين منتجه الإبداعي، وبين بيروقراطية الوظيفة المملة للفنان؟ وجعلته ينصرف لإبداعه وعطائه، وهو المعروف عنه غير كل الفنانين، لا يشترط، ولا يبخل بالمساهمة المجانية في أي عمل فني وطني، إنه خجل الفنان، المواطن، وذلك التواضع غير المصطنع، كان بإمكانه أن يتطلب، ويطلب مثل غيره من الفنانين الذين تدفع لهم مئات الآلاف مقابل غناء ساعة، فقط شاطرين أن يضعوا علم الإمارات كطوق يلف العنق، للمراءة، وكسب حب الناس، في حين في خلف الكواليس هناك مدير فني يناقش التفاصيل المالية، ووضعية الأجنحة في الفنادق، لماذا دائماً الأصيل، والصادق نقابله بغير النبل، وبإنقاص حقه، والتشاطر عليه، كإذلال له؟ هناك أسئلة يطرحها واقعنا الفني والثقافي، والتعامل غير الحضاري من قبل مؤسسات ضد أفراد مبدعين، نخسرهم فجأة، مثلما خسرناهم في الحياة العملية، بفضل تذاكي موظف لا يفرق بين الأمور، ولا يعرف قيمة الأشياء المعنوية التي يقيسها بحساباته الخاطئة دائماً. وبالمقابل، ماذا استفادت مؤسسته الإعلامية بتحويل الفنان الراحل عبدالله حميد من فنان قادر أن يعطي في مجاله وإمكانيات موهبته، إلى “موظف علاقات عامة”، لقد خسّرنا إياه أولئك المعشعشة رؤوسهم، وهو في غمرة عطائه الفني، بإرغامه على مراجعة الجوازات، والتأكد من صلاحية إقامة سائق المؤسسة، وتجديد بطاقة ضمان لتلك الموظفة القابعة على مكتب زجاجي، وهي تبربش بعينيها الكحيلتين، لقد أجبروه بتلك الوظيفة الساذجة لفنان أن يذهب للمطار أكثر من مرة يستقبل ضيوف المؤسسة، ويتأكد من حجوزاتهم الفندقية، قتلوه حيّاً كفنان، ومبدع إماراتي، حين ربطوا معاشه، وعيش أولاده بدفتر الحضور والغياب اليومي، وحين تعاملوا معه كـ”مدمر” لخزينة الدولة، لأن راتبه المتواضع يشكل عبئاً على المؤسسة الإعلامية، ليتهم عاملوه بالأقل، وعلى الأقل، مثل غيره الذي يأتيه راتبه في الدور السابع عشر، في الشقة المؤجرة والمؤثثة، وهو يبعد مائة كيلومتر من مقر عمله، الذي لا يعرف بابه كثيراً، أو ذلك الذي يلطم معاش مدير “كبير”، وزوجته معاش مدير “صغير”، وصديقه “الأنتيم” معاش معاون المدير “الكبير” و”الصغير”، والله لقد قضوا ردحاً من الزمن في أبوظبي، ولم يقدموا لأبوظبي غير ما في السعن اليابس.. رحم الله عبدالله حميد، فقد كان بعيداً عن مدّ اليد أو مط العنق أو التذلل، لأن هناك أموراً في الحياة لا تباع، ولا تشترى!


amood8@yahoo.com