ماذا لو أُجبر أحدنا على عدم الخروج من غرفته الفارهة والموجود فيها كل أنواع الرفاهية لأسبوع فقط، هل يستطيع، وهل يكون لحياته طعم! لا يستطيع الإنسان أمام تلك المشاهد المؤثرة لإطلاق الأسرى الفلسطينيين أن يمنع عينيه من ذرف الدموع، وهي ترى من يعانقون الأرض والأهل بعد سنين طويلة قضوها في غيابات السجون، فمنهم من قضى فيها ثلاثين عاماً، وما يبقى في العمر حين تمضي منه ثلاثون عاماً، وما يدهش ويدعو إلى الوقوف إجلالاً لهؤلاء ذلك الإصرار على الأمل الذي يبدون فيه كالجبال الراسيات، لم تهزهم المحن ولم يستطع السجان بزجهم في ظلامات الزنازين أن يطفئ نور الأمل في قلوبهم، أو أن يخمد جذوة حب الوطن الذي يزيد كلما اشتد ضيق القيد. حين يرى المرء أولئك السجينات اللاتي قطفت أيام السجن زهرة شبابهن، وهن يتحدين السجن والسجّان، ويخرجن والبسمة على وجوههن تقال فيها أجمل القصائد، لتقول إن المرأة لم تكن يوماً مجرد متاع. يصغر أمام نفسه أمام تلك المشاهد التي تختلط فيها مشاعر الحب والقهر، وهو يتبرم من مشاق الحياة، من ازدحام الطريق، وحرارة الجو ورطوبته، وتعطل مكيّف السيارة، أو انقطاع الكهرباء للحظات، وحيرة أن يدرس أبناءه في مدرسة أجنبية، أو مدرسة حكومية، أو أن يرسلهم إلى بلاد الواق واق. يحار المرء ماذا يقول لنفسه، ولأبنائه وهم يتساءلون كيف قضى أبناء هؤلاء الأسرى حياتهم بعيداً عن آبائهم وأمهاتهم، كيف نجحوا في مدارسهم، كيف أكملوا دراستهم، كيف تخرجوا، كيف تميزوا، وكيف عاشوا بلا أب أو أم، وكيف وألف كيف. يصغر المرء أمام نفسه وهو يرى أسيراً، وقد أكمل تعليمه في السجن، بل نال شهادة الدكتوراه! ولا يدري الواحد منا ما يفعل أمام أبناء قد قدم إليهم كل ما يحلمون به من وسائل الراحة والترفيه وسبل التعليم، ومدرسين خاصين، ويصعق في نهاية العام الدراسي برسوبهم أو بنجاح باهت. الأسر لغة من الإسارُ: ما شُدّ به، والجمع أُسُرٌ، أسَرَهُ يَأْسِرُه أسْراً وإِسارَةً شَدَّه بالإسار. والإِسارُ الْقَيْدُ ويكون حَبْلَ الكِتافِ، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدّونه بالقِدِّ فسُمي كل أخِيذٍ أسيراً وإن لم يشدّ به. أبو فراس الحمداني: أيا أمَّ الأســير، سـقاكِ غيـثٌ بكُرْهٍ مِنْكِ، مَا لَقِيَ الأســـِيرُ إذا ابنـــكِ ســارَ في برٍ وبحــرٍ فمنْ يدعو لهُ، أو يستجيرُ؟ حــرامٌ أن يبيـت قــريرَ عــينٍ ولؤمٌ أنْ يلــمَّ به الســـــرورُ وَقَد ذُقـــتِ الرَزايــا وَالمَنايــا وَلا وَلَدٌ لَدَيــكِ وَلا عَشـــيرُ وغابَ حبيبُ قلبك عنْ مكان مَلائِكَةُ السّــماءِ بِهِ حُضــور Esmaiel.Hasan@admedia.ae