إن كان للتدخين مضار كثيرة ظاهرة وباطنة، ووزارات الصحة في العالم تحذر منها، ومن فتكها بالإنسان، نتحدث هنا عن مساوئ السياسة التي تعد أكثر ضرراً، وفتكاً بالإنسان وصحته وكرامته، فقد أنستنا “حرب أكتوبر المجيدة”، كما كان إعلامنا العربي يسميها، وعدنا لا نتذكرها إلا على استحياء، نظراً لطبيعة العلاقة الجديدة مع إسرائيل؛ لذا اكتفى السياسيون العرب هذا العام بالاحتفال بالذكرى السنوية لآخر حرب بين العرب وإسرائيل بتذكر الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات الذي غاب في النسيان بعدما اغتالته عناصر إسلامية متطرفة، في عز فرحته وزهوه بهذا الانتصار، في حادثة “المنصة”، وهو مدجج بالأوسمة والنياشين، وتلك البدلة العسكرية اللامعة، والمصممة من دار فرنسية للأزياء الفاخرة، يستعرض قواته التي خاضت حرب أكتوبر. لقد قتلوه وهو يحتفل بذكرى حرب أكتوبر، ومنحه الرئيس المصري الجديد الخارج من رحم التيار الإسلامي السياسي وساماً، في حين الرئيس المصري السابق، وأحد أبطال أكتوبر، والذي ظل يحتفل بهذه المناسبة أكثر من أي رئيس، قابع في السجن، ولم تشفع له كل تلك الأوسمة والنياشين العسكرية. وفي الجانب الآخر من البلدان التي خاضت حرب أكتوبر سوريا، غاب الرئيس الأب، وجاء الابن، وكانت الاحتفالات تقام ولو على نطاق شكلي، يحضرها عادة الملحقون العسكريون تمجيداً لكل الجنود الذين افتقدناهم، والأراضي التي خسرناها في حرب أكتوبر، لكن احتفال هذا العام بأكتوبر في سوريا التي تسيل دماؤها بلا توقف، تم الاكتفاء بزيارة قبر الجندي المجهول، وبرقيات التهنئة للرئيس السوري المثقل بأعباء كالجبال، وأحمال تنازع الروح، كبرقية رئيس المجلس النيابي اللبناني بهذه المناسبة الوطنية، في حين غاب رجل أكتوبر الحقيقي قبل عام تقريباً، القائد سعد الدين الشاذلي، عن عمر يناهز الـ 89 عاماً، قضاها في العتمة، لولا فضائيات التحليل، والأحداث التي مرت على الوطن العربي، وضيق الحال جعلته يقبل بالظهور كخبير استراتيجي، ولعله أدرك أوائل ربيع القاهرة، وسمع بتنحي مبارك عن عرش مصر، وأفتر ثغره عن ابتسامة يعرفها العسكري الذي خبر الميدان، ورضى بترميجه من الجيش، وتسفيره خارج الوطن، ثم تعيينه سفيراً في إنجلترا والبرتغال، ثم انشقاقه بعد خمس سنوات ولجوئه إلى الجزائر، احتجاجاً على معاهدة “كامب ديفيد” والتصالح مع إسرائيل الذي حاربها، ودك خط “بارليف”، وهناك كتب مذكراته الحقيقية عن حرب أكتوبر، ومن كان المتسبب في ثغرة “الدفرسوار”، غاب 14 عاماً، ثم عاد لمصر في ذكرى 6 أكتوبر، لكنه ألقي القبض عليه في مطارها، وبالأمس كرموا من ارتضوا عنهم، وعن أعمالهم الجليلة في تلك الحرب، وحده القائد الحقيقي سعد الدين الشاذلي سقطت نياشينه، كما سقط - ليس سهواً - أسمه من قائمة أبطال حرب أكتوبر المجيدة.. وبالأمس تذكروه! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com